محرر الأقباط متحدون
"لن تُخلِّص العالم أي قوة أرضية، بل فقط قوة الحب الإلهية التي كشفها لنا يسوع الرب وأعطانا إياها. لنؤمن به، ولنرجُ فيه، ولنتبعه!" هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في عظته مترئسًا القداس الإلهي في مزار سيدة بومباي
في يومٍ يتقاطع فيه عبق التاريخ بنعمة النبوءة، وبمناسبة الذكرى المئة والخمسين لولادة "مدينة مريم"، ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح اليوم الجمعة القداس الإلهي في مزار سيدة بومباي. وفي أول ذكرى لانتخابه خلفاً لبطرس، وتحت ظلال البركان الذي شهد يوماً دمار حضارةٍ قديمة، رفع الأب الأقدس صرخة رجاءٍ جديدة؛ داعياً في عظته إلى استعادة "نظرة مريم" القادرة على استحضار لمسة الله الحانية فوق أنقاض عالمٍ أتعبته الحروب، مؤكداً أن مسبحة الوردية ليست مجرد تكرار، بل هي نبضُ حبٍّ يعيد صياغة حياتنا على إيقاع الإنجيل.
استهل الأب الأقدس عظته بالتأمل في أناشيد التسبيح الثلاثة في الكنيسة نشيد مريم ونشيد زكريا ونشيد سمعان الشيخ وقال هذه الأناشيد الثلاثة تضبط إيقاع تسبيح الكنيسة يومياً في "ليتورجيا الساعات". إنها نظرة إسرائيل القديم الذي يرى وعوده قد تحققت؛ وهي نظرة الكنيسة العروس التي تتطلّع نحو عريسها الإلهي؛ وهي ضمناً نظرة البشرية جمعاء التي تجد جواباً لتوقها إلى الخلاص.
تابع الأب الأقدس يقول منذ مائة وخمسين عاماً، وبوضع حجر الأساس لهذا المزار، في المكان الذي طمر فيه ثوران بركان الفيزوفيو عام ٧٩ ميلادية معالم حضارة عظيمة تحت الرماد وحماها لقرون، وضع القديس بارتولو لونغو مع زوجته الكونتيسة ماريانا فارنارارو دي فوسكو، أسسًا ليس فقط لهيكل، بل لمدينة مريمية بأكملها. هكذا عبر عن وعيه بتدبير الله، الذي أعاد القديس يوحنا بولس الثاني إطلاقه للألفية الثالثة، في منظور التبشير الجديد، متحدثاً من مكان النعمة في ٧ تشرين الأول أكتوبر ٢٠٠٣، في ختام "سنة الوردية": "اليوم - كما قال - كما في زمن بومباي القديمة، من الضروري إعلان المسيح لمجتمع يبتعد عن القيم المسيحية ويُضيّع حتى ذاكرتها".
أضاف الحبر الأعظم يقول لسنة خلت تمامًا، عندما أوكلت إليّ الخدمة البطرسية كخليفة لبطرس، كان ذلك بالتحديد يوم "الابتهال" إلى العذراء مريم سيّدة الوردية المقدسة في بومباي. لذا كان عليّ أن آتي إلى هنا، لأضع خدمتي تحت حماية العذراء القديسة. كما أن اختياري لاسم "لاوُن" يضعني على خطى البابا لاوُن الثالث عشر، الذي كان من بين مآثره العديدة تطوير تعليم واسع حول مسبحة الوردية المقدسة. ويضاف إلى ذلك مؤخراً إعلان قداسة بارتولو لونغو، رسول الوردية. وهذا السياق يمنحنا مفتاحاً للتأمل في كلمة الله التي أصغينا إليها للتو.
تابع الأب الأقدس يقول إن إنجيل البشارة يدخلنا إلى اللحظة التي صار فيها كلمة الله جسداً في حشا مريم. ومن هذا الحشا يشع النور الذي يعطي المعنى الكامل للتاريخ والعالم. إن التحية التي وجهها الملاك جبرائيل إلى العذراء هي دعوة للفرح: "افرحي، يا ممتلئة نعمة". نعم، إن "السلام الملائكي" هو دعوة للفرح: يقول لمريم، وفيها لنا جميعاً، إنه فوق أنقاض إنسانيتنا التي امتحنتها الخطيئة، والتي بالتالي تميل دوماً نحو التجاوزات والظلم والحروب، جاءت لمسة الله الحانية، لمسة الرحمة، التي تتخذ في يسوع وجهاً بشرياً.
أضاف الحبر الأعظم يقول بذلك تصبح مريم أم الرحمة. فهي تلميذة الكلمة وأداة تجسدها، تظهر حقاً أنها "الممتلئة نعمة". كل شيء فيها هو نعمة! وإذ قدّمت جسدها للكلمة، أصبحت هي أيضاً، كما يعلم المجمع الفاتيكاني الثاني استناداً إلى القديس أوغسطينوس، "أماً لأعضاء (المسيح)... لأنها تعاونت بالمحبة في ولادة المؤمنين في الكنيسة، الذين هم أعضاء ذلك الرأس". في "هاءنذا" مريم، لا يولد يسوع فحسب، بل تولد الكنيسة أيضاً، وتصبح مريم في آن واحد "والدة الإله"، "Theotòkos" وأم الكنيسة. يا لعظمة هذا السر! كل شيء يتم بقوة الروح القدس الذي ظلل مريم وجعل حشاها البتولي خصباً. هذه اللحظة من التاريخ لها عذوبة وقوة تجذبان القلب وتحملانه إلى تلك الذروة التأملية التي تنبت فيها صلاة الوردية المقدسة. وهي صلاة، نشأت وتطورت تدريجياً في الألفية الثانية، تجد جذورها في تاريخ الخلاص، وتجد فاتحتها في تحية الملاك للعذراء.
تابع الأب الأقدس يقول "السلام عليك يا مريم"! إن تكرار هذه الصلاة في مسبحة الوردية هو بمثابة صدى لتحية جبرائيل، صدى يخترق القرون ويوجه نظر المؤمن إلى يسوع، الذي يُنظر إليه بعيني وقلب الأم. يسوع الذي نعبده، ونتأمل فيه، ونقبله في كل سر من أسرارها، لكي نستطيع مع القديس بولس أن نقول: "فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيَّ". إن صلاة "السلام الملائكي" التي تتكرر في مسبحة الوردية، والتي يسبقها إعلان كلمة الله، وتحيط بها "صلاة الأبانا" و"المجد"، هي فعل حب. أليس من شأن الحب أن يكرر بدون ملل: "أحبك"؟ إنه فعل حب، عبر حبات المسبحة - وكما يظهر بوضوح في اللوحة المريمية لهذا المزار - يرفعنا إلى يسوع، ويقودنا إلى الإفخارستيا، "ينبوع وذروة كل الحياة المسيحية". كان القديس بارتولو لونغو مقتنعاً بذلك حين كتب: "الإفخارستيا هي الوردية الحية، وجميع الأسرار تلتقي في السر المقدس بشكل فاعل وحيوي". وكان على حق. في الإفخارستيا، تلتقي أسرار حياة المسيح جميعها، إذا جاز التعبير، مركزة في تذكار تضحيته وفي حضوره الحقيقي. إنّ مسبحة الوردية تملك ملامح مريمية، ولكنها تملك قلباً كريستولوجيًّا وإفخارستياً. وإذا كانت "ليتورجيا الساعات" تضبط أوقات تسبيح الكنيسة، فإن مسبحة الوردية تضبط إيقاع حياتنا إذ تعيدها باستمرار إلى يسوع والإفخارستيا.
أضاف الحبر الأعظم يقول لقد صِيغت أجيال من المؤمنين وحُفظت بهذه الصلاة البسيطة والشعبية، والقادرة في الوقت عينه على بلوغ أعماق صوفية، وهي كنز للاهوت المسيحي الأكثر جوهرية. فما هو أكثر جوهرية من أسرار المسيح، ومن اسمه القدوس، الذي يُنطق بحنان الأم العذراء؟ فبهذا الاسم، وليس بغيره، يمكننا أن نخلص. وبتكرارنا له في كل "السلام عليك يا مريم"، نعيش بشكل ما خبرة بيت الناصرة، وكأننا نعيد سماع صوت مريم ويوسف خلال السنوات الطويلة التي عاشها يسوع معهما. نعيش كذلك خبرة العليّة، حيث انتظر الرسل مع مريم حلول الروح القدس. وهذا ما أشارت إليه القراءة الأولى. كيف لا نظن أن مريم والرسل، في ذلك الوقت بين الصعود والعنصرة، كانوا يتسابقون في تذكر لحظات حياة يسوع المختلفة؟ لم يكن ليغيب عنهم أي تفصيل! كان عليهم أن يتذكروا كل شيء ويستوعبوه ويقتدوا به. هكذا وُلدت مسيرة الكنيسة التأمليّة، التي تقدم مسبحة الوردية خلاصتها في التأمل اليومي بالأسرار المقدسة، على غرار السنة الليتورجية.
تابع الأب الأقدس يقول لقد اعتُبرت مسبحة الوردية بحق "موجزاً للإنجيل"، وهو ما أراد القديس يوحنا بولس الثاني استكماله بـ "أسرار النور". هذا البعد كان حياً أيضًا لدى القديس بارتولو لونغو، الذي قدم للحجاج تأملات عميقة ليحرر مسبحة الوردية من تجربة التلاوة الآلية ويضمن لها النفس البيبلي والمسيحي والتأملي الذي يجب أن يميزها. أيها الإخوة والأخوات، إذا "صُليت" مسبحة الوردية، وأجرؤ على القول "إذا تم الاحتفال بها" بهذه الطريقة، فإنها تصبح بالنتيجة الطبيعية ينبوعاً للمحبة. محبة تجاه الله، ومحبة تجاه القريب: وجهان لعملة واحدة، كما ذكرتنا القراءة الثانية من رسالة القديس يوحنا الأولى، الذي يختتم بالتحذير: "لا تكن محبتنا بالكلام أو باللسان بل بالعمل والحق".
أضاف الحبر الأعظم يقول لذلك كان بارتولو لونغو رسولاً لمسبحة الوردية وفي الوقت عينه رسولاً للمحبة. ففي هذه "المدينة المريمية" استقبل الأيتام وأبناء السجناء، مظهراً قوة الحب المجددة. وهنا اليوم أيضاً، يتمُّ استقبال الصغار والضعفاء والاعتناء بهم في مؤسسات المزار. إن مسبحة الوردية تدفع النظر نحو احتياجات العالم، كما أكدت الرسالة الرسولية "وردية العذراء مريم"، إذ تقترح نيتين لا تزالان آنيّتين: العائلة، التي تعاني من ضعف الروابط الزوجية، والسلام، المعرض للخطر بسبب التوترات الدولية واقتصاد يفضل تجارة الأسلحة على احترام الحياة البشرية.
تابع الأب الأقدس يقول عندما أعلن القديس يوحنا بولس الثاني "سنة الوردية" - وسيكتمل ربع قرن عليها العام القادم - أراد أن يضعها بشكل خاص تحت نظر العذراء مريم سيدة بومباي. ولكن الأزمنة لم تتحسن منذ ذلك الحين؛ فالحروب التي لا تزال تُخاض في مناطق كثيرة من العالم تتطلب التزاماً متجدداً ليس فقط اقتصادياً وسياسياً، بل روحياً ودينياً أيضاً. السلام يولد داخل القلب. والبابا نفسه في تشرين الأول أكتوبر ١٩٨٦، كان قد جمع في أسيزي قادة الأديان الرئيسية، داعياً الجميع للصلاة من أجل السلام. وفي مناسبات مختلفة حتى في الآونة الأخيرة، طلبنا أنا والبابا فرنسيس من المؤمنين في جميع أنحاء العالم أن يصلّوا من أجل هذه النية. لا يمكننا أن نستسلم لصور الموت التي تنقلها لنا الأخبار كل يوم.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول من هذا المزار، الذي صمم بارتولو لونغو واجهته كـ "نصب تذكاري للسلام"، نرفع اليوم بإيمان "ابتهالنا". لقد قال لنا يسوع إن الصلاة المقرونة بالإيمان تنال كل شيء. والقديس بارتولو لونغو، إذ فكّر في إيمان مريم، وصفها بأنها "قديرة بالنعمة". وبشفاعتها، ليأتِ من إله السلام فيض وافر من الرحمة، يلمس القلوب، ويهدئ الأحقاد والكراهية بين الإخوة، وينير عقول الذين تقع على عاتقهم مسؤوليات خاصة في الحكم. أيها الإخوة والأخوات، لن تُخلِّص العالم أي قوة أرضية، بل فقط قوة الحب الإلهية التي كشفها لنا يسوع الرب وأعطانا إياها. لنؤمن به، ولنرجُ فيه، ولنتبعه!




