الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طوس...

يَا الإِنْسَانُ، يَا كُلَّ إِنْسَانٍ،
تَوَقَّفْ… لَا تَقْلَقْ… لَا تُهْدِرْ طَاقَتَكَ فِي مَعْرِفَةِ انْطِبَاعَاتِ النَّاسِ عَنْكَ.
أَرْجُوكَ… تَوَقَّفْ قَلِيلًا، وَاسْأَلْ نَفْسَكَ بِصِدْقٍ: 
ـ لِمَاذَا تُرْهِقُ ذَاتَكَ فِي مُحَاوَلَةِ مَعْرِفَةِ انْطِبَاعَاتِ النَّاسِ عَنْكَ؟
ـ وَلِمَاذَا تُهْدِرُ وَقْتَكَ وَطَاقَتَكَ فِي مُلَاحَقَةِ أَفْكَارٍ مُتَقَلِّبَةٍ لَا ثَبَاتَ لَهَا؟

اِنْتَبِــــــــــــه:
1 ـ إِنَّ الِانْشِغَالَ بِآرَاءِ النَّاسِ هُوَ فَخٌّ نَفْسِيٌّ خَطِيرٌ.
2 ـ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ أَسِيرًا لِنَظَرَاتِ الآخَرِينَ، فَيَفْقِدُ هُوِيَّتَهُ الدَّاخِلِيَّةَ.
3 ـ يَعِيشُ مُتَأَرْجِحًا بَيْنَ مَدْحٍ وَنَقْدٍ، بَيْنَ قَبُولٍ وَرَفْضٍ.
4 ـ النَّاسِ الْيَوْمَ يُمَجِّدُونَكَ، وَغَدًا يُدِينُونَكَ، وَبَعْدَ غَدٍ قَدْ يَنْسَوْنَكَ تَمَامًا.

أَوَّلًا: حَقِيقَتُكَ فِي قِيمَتِكَ وَنَظْرَتِكَ لِنَفْسِكَ
وَهُنَا تَظْهَرُ الْحَقِيقَةُ: أَنَّ مَنْ يَبْنِي قِيمَتَهُ عَلَى رَأْيِ النَّاسِ، يَبْنِيهَا عَلَى أَرْضٍ مُتَحَرِّكَةٍ.

1 ـ مِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ:
يَقَعُ الإِنْسَانُ فِي صِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ مُرِيرٍ عِنْدَمَا يَجْعَلُ قِيمَتَهُ مُرْتَبِطَةً بِالآخَرِينَ، 
فَيُصَابُ بِالْقَلَقِ، وَفَقْدَانِ السَّلَامِ، وَالتَّوَتُّرِ الدَّائِمِ. 
أَمَّا الِاتِّزَانُ النَّفْسِيُّ فَيَأْتِي مِنْ مَعْرِفَةِ الذَّاتِ وَقَبُولِهَا، 
وَالسَّعْيِ لِتَطْوِيرِهَا دَاخِلِيًّا، لَا تَجْمِيلِهَا خَارِجِيًّا.

2 ـ مِنَ النَّاحِيَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ:
فَإِنَّ الَّذِي يَعِيشُ لِيُرْضِيَ النَّاسَ يَفْقِدُ ثَبَاتَهُ فِي الْمَبَادِئِ،
فَيَتَشَكَّلُ حَسَبَ الظُّرُوفِ، وَيَتَنَازَلُ تَدْرِيجِيًّا عَنْ حَقِيقَتِهِ.

وَهٰذَا مَا يُحَذِّرُنَا مِنْهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ:
«لِأَنَّهُ لَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ» (غَلَاطِيَّةَ 1: 10).

3 ـ رَعَوِيًّا وَرُوحِيًّا:
فَإِنَّ الِانْشِغَالَ بِانْطِبَاعَاتِ النَّاسِ يُعَطِّلُ نُمُوَّ الإِنْسَانِ الرُّوحِيَّ،
لِأَنَّهُ يَصْرِفُهُ عَنْ أَهَمِّ عِلَاقَةٍ فِي حَيَاتِهِ: عِلَاقَتِهِ بِاللَّهِ.

فَاللَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَظْهَرِ بَلْ إِلَى الْقَلْبِ:
«لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ» (1 صَمُوئِيلَ 16: 7).
  مِنْ هُنَا يَدْعُونَا الإِنْجِيلُ إِلَى تَحْوِيلِ اتِّجَاهِنَا مِنَ الْخَارِجِ إِلَى الدَّاخِلِ، وَمِنَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ:
«وَلَا تُشَاكِلُوا هٰذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ» (رُومِيَةَ 12: 2).

4 ـ الْحَقِيقَةَ اللَّاهُوتِيَّةَ الْعَمِيقَةَ:
هِيَ أَنَّ قِيمَةَ الإِنْسَانِ لَا تَأْتِي مِنْ نَظَرَةِ النَّاسِ،
بَلْ مِنْ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا عَلَى صُورَةِ اللَّهِ وَمِثَالِهِ (تَكْوِينُ 1: 27).
وَمِنْ هُنَا تَنْبُعُ كَرَامَتُهُ الثَّابِتَةُ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الآرَاءِ.

وَتَذَكَّرُوا دَائِمًا:
مَنْ يَرْكُضُ خَلْفَ رِضَا النَّاسِ يَتْعَبُ،
أَمَّا مَنْ يَرْكُزُ عَلَى بِنَاءِ نَفْسِهِ فِي اللَّهِ فَيَنْمُو وَيَثْبُتُ.

لِذٰلِكَ:
يَا أَخِي وَيَا أُخْتِي،
لَا تُهْدِرُوا طَاقَتَكُمْ فِي مَعْرِفَةِ انْطِبَاعَاتِ النَّاسِ عَنْكُمْ،
بَلِ اسْتَثْمِرُوهَا فِي بِنَاءِ أَنْفُسِكُمْ.
نَمُّوا فِي الْفَضِيلَةِ، وَثَبِّتُوا جُذُورَكُمْ فِي اللَّهِ،
وَاعْمَلُوا عَلَى إِصْلَاحِ الدَّاخِلِ، فَحِينَئِذٍ يَنْعَكِسُ النُّورُ إِلَى الْخَارِجِ تِلْقَائِيًّا:
«لِأَنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ» (مَتَّى 12: 34).

ثَانِيًا: شَوَاهِدُ كِتَابِيَّةٌ وَتَأَمُّلَاتٌ دَاعِمَةٌ
1 ـ لَا تُعِرِ اهْتِمَامًا بِكَلَامِ النَّاسِ وَرَأْيِهِمْ فِيكَ
يُؤَكِّدُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَنَّ رِضَا اللَّهِ أَهَمُّ مِنْ رِضَا النَّاسِ، وَأَنَّ خَوْفَ اللَّهِ يُحَرِّرُ مِنْ خَوْفِ الْبَشَرِ:
مَزْمُورُ 118: 6: «الرَّبُّ لِي فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي الإِنْسَانُ؟».
أَمْثَالُ 29: 25: «خَوْفُ الإِنْسَانِ يَضَعُ شَرَكًا، وَالْمُتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ آمِنٌ».
غَلَاطِيَّةَ 1: 10: «أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللَّهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ».

مَزْمُورُ 56: 4: «بِاللَّهِ أَفْتَخِرُ بِكَلَامِهِ. عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُهُ بِي الْبَشَرُ؟».
1 كُورِنْثُوسَ 4: 3: «وَأَمَّا أَنَا فَأَقَلُّ شَيْءٍ عِنْدِي أَنْ يُحْكَمَ فِيَّ مِنْكُمْ أَوْ مِنْ يَوْمِ بَشَرٍ».
2 ـ لَا تَهْتَمَّ بِالْغَدِ (الْقَلَقُ بِشَأْنِ الْمُسْتَقْبَلِ)

تُعَلِّمُنَا هٰذِهِ الآيَاتُ أَنَّ اللَّهَ يَهْتَمُّ بِاحْتِيَاجَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، وَأَنَّ الْقَلَقَ لَا يُغَيِّرُ شَيْئًا:
مَتَّى 6: 34: «فَلَا تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لِأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ».
مَتَّى 6: 27: «وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟».
فِيلِبِّي 4: 6-7: «لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلِبَاتُكُمْ لَدَى اللَّهِ».

1 بُطْرُسَ 5: 7: «مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ».
مَزْمُورُ 55: 22: «أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ. لَا يَدَعُ الصِّدِّيقَ يَتَزَعْزَعُ أَبَدًا».

3 ـ آيَاتٌ لِلثِّقَةِ وَتَشْجِيعِ النَّفْسِ
يَشُوعُ 1: 9: «أَمَا أَمَرْتُكَ؟ تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ! لَا تَرْهَبْ وَلَا تَرْتَعِبْ، لِأَنَّ الرَّبَّ إِلٰهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ».
إِشَعْيَاءُ 41: 10: «لَا تَخَفْ لِأَنِّي مَعَكَ. لَا تَتَلَفَّتْ لِأَنِّي إِلٰهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ».
تَذَكَّرْ أَنَّ التَّرْكِيزَ عَلَى اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ يَمْنَحُ النَّفْسَ سَلَامًا دَاخِلِيًّا يُغْنِيكَ عَنْ طَلَبِ رِضَا النَّاسِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ.

4 ـ ضَبْطُ اللِّسَانِ وَقِلَّةُ الْكَلَامِ
يُعَلِّمُنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَهَمِّيَّةَ ضَبْطِ اللِّسَانِ، وَأَنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى الْخَطَأِ:
«كَثْرَةُ الْكَلَامِ لَا تَخْلُو مِنْ مَعْصِيَةٍ، أَمَّا الضَّابِطُ شَفَتَيْهِ فَعَاقِلٌ» (أَمْثَالُ 10: 19).
«مَنْ يَحْفَظُ فَمَهُ وَلِسَانَهُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ مِنَ الْمَضَايِقِ» (أَمْثَالُ 21: 23).
«مَنْ يُنْطِقُ بِكَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ فَهُوَ عَدُوُّ نَفْسِهِ» (أَمْثَالُ 13: 3).
«فِي كَثْرَةِ الْأَحْلَامِ وَالْكَلَامِ أَبَاطِيلُ كَثِيرَةٌ» (جَامِعَةُ 5: 7).
«لَا تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ» (أَفَسُسَ 4: 29).
«لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الِاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ» (يَعْقُوبُ 1: 19).
«إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا» (مَتَّى 12: 36).
«أَمَّا الْمُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ وَالسَّخِيفَةُ فَاجْتَنِبْهَا» (2 تِيمُوثَاوُسَ 2: 23).
«وَأَمَّا الْكَلَامُ الْبَاطِلُ الدَّنِسُ فَاجْتَنِبْهُ» (2 تِيمُوثَاوُسَ 2: 16).

خِتَامًا: خُلَاصَةٌ رُوحِيَّةٌ وَلَاهُوتِيَّةٌ
يَنْصَحُنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ بِالصَّمْتِ الْحَكِيمِ أَوِ الْكَلَامِ الْمَوْزُونِ، لِأَنَّ «الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ فِي يَدِ اللِّسَانِ» (أَمْثَالُ 18: 21). فَالْكَلَامُ النَّافِعُ يَبْنِي، أَمَّا الْكَثِيرُ الْفَارِغُ فَيُفْسِدُ وَيُضِلُّ.

صَلَاةٌ:
يَا رَبُّ، حَرِّرْنَا مِنْ عُبُودِيَّةِ آرَاءِ النَّاسِ، وَمِنَ السَّعْيِ لِإِرْضَائِهِمْ عَلَى حِسَابِ الْحَقِّ.
أَعْطِنَا شَجَاعَةً لِنُوَاجِهَ أَنْفُسَنَا وَنُطَوِّرَهَا، بَدَلًا مِنَ الِانْشِغَالِ بِصُورَتِنَا أَمَامَ الآخَرِينَ.
عَلِّمْنَا أَنْ نَجِدَ قِيمَتَنَا فِيكَ أَنْتَ، وَأَنْ نَسْعَى لِلنُّمُوِّ الْحَقِيقِيِّ لَا لِلِانْطِبَاعِ الزَّائِفِ.
ثَبِّتْ قُلُوبَنَا فِي الإِيمَانِ، وَاجْعَلْ حَيَاتَنَا شَهَادَةً صَادِقَةً عَنْكَ.
بِشَفَاعَةِ الْعَائِلَةِ الْمُقَدَّسَةِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَالْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ، وَالْقِدِّيسِ يُوسُفَ النَّجَّارِ. آمِين.
✍️
الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طوس...