الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يوجد تصوّر شائع جدًا في ثقافتنا الدينيّة الشعبيّة يرى أنّ اللاهوت هو الكلام عن الثالوث والطبيعة الإلهيّة فقط، وكلّما ابتعد الكلام عن حياة الناس اليوميّة صار “أكثر لاهوتًا”. أمّا الكلام عن الفقر، والسلطة، والظلم، والعنف، والطبقيّة، والمجتمع، فيُحسب عند البعض مجرّد “كلام اجتماعي” لا علاقة له باللاهوت.
لكن هذا التصوّر نفسه غريب عن قلب الإيمان المسيحيّ. فالمسيحيّة، في أساسها، ليست إيمانًا بإله بقي بعيدًا عن التاريخ والإنسان، ولكن بإله “صار جسدًا وسكن بيننا” (يو ١: ١٤). التجسّد ليس تفصيلًا جانبيًا في العقيدة المسيحيّة، بل مركزها نفسه. الله دخل العالم الحقيقي: دخل السياسة الرومانيّة، ودخل الصراع مع رجال الدين، والفقر، والعنف، والاحتلال، والمرض، والدموع، والجسد، والعلاقات البشريّة. وإذا كان الله نفسه قد دخل التاريخ، فكيف يصبح الكلام عن التاريخ والإنسان والمجتمع شيئًا “غير لاهوتي”؟
في الحقيقة، هذا الفصل الحادّ بين “الكلام عن الله” و”الكلام عن الإنسان” يحمل، بشكل غير مباشر، خطرًا قريبًا من بدعة فصل اللاهوت عن الناسوت في المسيح نفسه. كأنّ الله يوجد في السماء فقط، بينما الواقع اليوميّ للإنسان منطقة أدنى لا تخصّ اللاهوت. لكن الإيمان المسيحيّ يقول العكس تمامًا: الله أُعلِن داخل حياة البشر نفسها، "الكلمة صار جسدًا، الابن-الإله صار إنسانًا كاملًا في أدق تفاصيل حياته.
ولهذا، فعلم اللاهوت المسيحيّ علي مرّ تاريخه لم يكن تأمّلًا ميتافيزيقيًّا معلّقًا في الهواء. نعم، ناقش الثالوث، وطبيعة المسيح، والنعمة، والخلاص، لكنّه ناقش أيضًا المال، والغنى، والجوع، والعدالة، والسلطة، والحرب، والجسد، والعمل، والمدينة، والعلاقات الاجتماعيّة.
القدّيس يوحنّا ذهبيّ الفم لم يكن يتكلّم فقط عن الجوهر والأقنوم، بل هاجم بعنف الترفَ وعدم الاكتراث بالفقراء، وقال إنّك لا تستطيع أن تكرّم جسد المسيح على المذبح بينما تتركه جائعًا في الشارع. وباسيليوس الكبير سأل الأغنياء: “أليست الثياب التي تكدّسها في خزانتك هي ثياب العريان؟”. وأغسطينوس كتب عن المدينة والسلطة والعنف والتاريخ البشريّ. هؤلاء لم يكونوا “نشطاء اجتماعيّين” خارج اللاهوت، بل كانوا يمارسون اللاهوت نفسه.
المشكلة في جزء من الخطاب الدينيّ عندنا أنّه حوّل اللاهوت إلى كلام مجرّد ومنفصل عن الواقع، حتّى صار بعض الناس يظنّ أنّ اللاهوت الحقيقيّ هو الكلام الصعب الذي لا يلمس حياة البشر. لكن اللاهوت المسيحيّ الحقيقي يبدأ من سؤال: ماذا يعني أن يؤمن الإنسان بإلهٍ تجسّد؟ ماذا يعني أن يدخل الله حياة البشر وآلامهم وعلاقاتهم وبُناهم الاجتماعيّة؟
إذًا، حين نتكلّم عن “لاهوت الكمباوندات” أو “لاهوت العشوائيّات” أو “لاهوت الحياة اليوميّة”، فنحن لا نحوّل هذه الأشياء إلى عقائد، بل نحاول فهم كيف تؤثّر البنية الاجتماعيّة والموقع الطبقيّ والخبرة اليوميّة في طريقة رؤية الإنسان لله وللكنيسة وللآخر. وهذا سؤال لاهوتيّ بامتياز، لأنّ التجسّد نفسه يعني أنّ الله لا يُعرف خارج التاريخ، بل داخله.
اللاهوت ليس هروبًا من العالم نحو السماء، بل محاولة لرؤية العالم نفسه على ضوء الله، والتأمل في كيفيّة تحقيق ملكوت الله هنا والآن!
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





