بقلم / هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
تُعد جريمة الزنا من الجرائم التي أولى لها المشرّع المصري عناية خاصة ضمن قانون العقوبات، نظرًا لارتباطها المباشر بحماية كيان الأسرة وصون الأخلاق العامة.
غير أن الجدل يثور عند انتقال هذا المفهوم إلى نطاق الأحوال الشخصية لغير المسلمين، وبخاصة في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، حيث تم التوسع في مفهوم “الزنا” ليشمل ما يُعرف بـ “الزنا الحكمي” أو “ما في حكم الزنا” كسبب للتطليق.
ومن ثمّ، تبرز إشكالية قانونية ودستورية دقيقة مؤداها: هل يجوز توسيع مفهوم جريمة مُجرّمة بنص عقابي محدد في إطار تشريع آخر، بما يؤدي إلى آثار اجتماعية جسيمة كالتطليق ووصم الأسر؟
وللإجابة عن هذا التساؤل، يتعين ابتداءً الوقوف على التأصيل القانوني لجريمة الزنا في قانون العقوبات المصري؛ إذ نص المشرّع على اعتبارها جريمة محددة الأركان تقوم على ركنين أساسيين:-
أولاً: الركن المادي، ويتمثل في اتصال جنسي كامل بين رجل وامرأة لا تربطهما علاقة زوجية مشروعة.
ثانيًا: الركن المعنوي، وهو القصد الجنائي العام القائم على العلم والإرادة.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن: “جريمة الزنا لا تقوم إلا بثبوت واقعة الاتصال الجنسي الكامل ثبوتًا يقينيًا لا ظنيًا”، الأمر الذي يؤكد أن المشرّع الجنائي تبنى مفهومًا ضيقًا ودقيقًا لهذه الجريمة، التزامًا بمبدأي: (أ) شرعية الجرائم والعقوبات.
(ب) تفسير النصوص الجنائية تفسيرًا ضيقًا.
وفي ضوء ما تقدم، تبرز إشكالية التوسع في مفهوم “الزنا الحكمي” في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، حيث يذهب المشروع إلى إدخال حالات تُعد “في حكم الزنا”، من بينها:
1- العلاقات العاطفية المثبتة بوسائل إلكترونية.
2- الخلوة غير المشروعة.
3- الأفعال المخلة بالشرف دون إثبات الاتصال الجنسي الكامل.
ولا شك أن هذا التوسع يثير عدة إشكاليات قانونية جوهرية؛ إذ يتمثل أولها في مخالفة مبدأ اليقين القانوني، ذلك أن إدخال مفاهيم مرنة وفضفاضة يفتح الباب أمام تقديرات شخصية قد تؤدي إلى إساءة التطبيق واختلاف الأحكام.
وثانيها يتمثل في التعارض مع فلسفة قانون العقوبات؛ فبينما يقيد القانون الجنائي مفهوم الزنا ويضع له ضوابط صارمة، يأتي التشريع المقترح ليُوسّعه رغم أن الأثر في الحالتين يمس السمعة والشرف.
أما ثالثها، فيكمن في الآثار الاجتماعية الخطيرة، والتي تشمل وصم الأسرة بالعار، وتفكك الروابط الأسرية، والإضرار بالأبناء نفسيًا واجتماعيًا.
ومن هنا يثور تساؤل آخر لا يقل أهمية، وهو مدى توافق هذا التوسع مع أحكام الدستور المصري. إذ تنص المادة (3) من الدستور على أن: “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية…”، غير أن ذلك لا يعني إطلاق سلطة التشريع دون قيد أو ضابط، بل تظل هذه السلطة مقيدة بمبادئ، من بينها: النظام العام، ومبادئ العدالة، وحماية الأسرة باعتبارها أساس المجتمع وفقًا للمادة (10) من الدستور.
وعلى هذا، فإذا أدى التوسع في أسباب الطلاق إلى هدم كيان الأسرة بسهولة وإهدار مبدأ استقرار العلاقات الأسرية، فإنه يكون متعارضًا مع المقصد الدستوري في حماية الأسرة.
وانطلاقًا من هذه الإشكاليات، يمكن طرح مجموعة من الحلول القانونية المتوازنة التي تحقق الانضباط التشريعي وتحافظ في الوقت ذاته على كيان الأسرة؛ وذلك من خلال:
1- التمييز الواضح بين “الزنا الجنائي” و”الخطأ الزوجي”، بحيث يظل الأول محكومًا بنصوص قانون العقوبات دون توسع.
2- الإبقاء على مفهوم الزنا كما ورد في قانون العقوبات، وعدم إدخال أي صور تقديرية عليه.
3- إنشاء فئة قانونية مستقلة تُسمى “الخطأ الجسيم المخل بواجبات الزوجية”، دون وصم الفعل بوصف الزنا.
4- وضع ضوابط صارمة للإثبات، من بينها:
أ- اشتراط أدلة قطعية لا تحتمل التأويل.
ب- عدم الاكتفاء بالرسائل أو الشبهات.
ج- ضرورة وجود قرائن قوية متساندة.
5- إقرار مبدأ التدرج في الجزاء، بحيث لا يكون الطلاق هو الخيار الأول، بل يسبقه إنذار، وجلسات صلح وإرشاد أسري، وفترة تهدئة إلزامية قبل الحكم.
6- تعزيز حماية السمعة والأبناء، وذلك من خلال:
أ- سرية إجراءات التقاضي.
ب- حظر نشر الأحكام أو تفاصيلها.
ج- مراعاة مصلحة الأطفال الفضلى كأولوية قصوى.
وبناءً على ما تقدم، يمكن اقتراح صياغة مادة بديلة على النحو التالي:
“لا يُحكم بالتطليق بسبب الزنا إلا إذا ثبت وقوع اتصال جنسي كامل ثبوتًا يقينيًا وفقًا لأحكام قانون العقوبات.
ويجوز للمحكمة، في غير ذلك من الحالات التي تشكل إخلالًا جسيمًا بواجبات الزوجية ومساسًا جوهريًا بكرامة أحد الزوجين أو شرف الأسرة، أن تقضي بالتفريق القضائي متى ثبت الضرر ثبوتًا قاطعًا، وذلك بعد استنفاد محاولات الصلح، ودون توصيف هذه الأفعال بأنها زنا أو في حكمه.
وتلتزم المحكمة بسرية الإجراءات حفاظًا على كيان الأسرة وسمعة أطرافها.”
ونرى، إن تحقيق التوازن بين احترام الخصوصية الدينية في مسائل الأحوال الشخصية، وبين حماية الأسرة من التفكك والوصم الاجتماعي، يقتضي صياغة تشريعية دقيقة تتجنب التوسع غير المنضبط في المفاهيم الخطيرة مثل “الزنا الحكمي”.
فالتشريع الرشيد لا يقف عند حد تحقيق الردع فحسب، بل يمتد ليحفظ الكرامة الإنسانية ويصون استقرار المجتمع، وهو ما ينبغي أن يكون الغاية النهائية لأي تدخل تشريعي في هذا المجال.





