بقلم / ايهاب سلام
كثير من الوقائع المؤسفة ما كانت لتخرج إلى النور لولا ضغط التغطية الإعلامية وتفاعل الرأي العام عبر منصات التواصل، وهو ما ساهم في دفع الجهات المختصة إلى التحرك وكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين.
لكن المشكلة لا تبدأ مع النشر… بل تبدأ بعده.
يقع الخلل حين يتحول السبق إلى غاية، ويتراجع الاهتمام او الوعي بالحدود المهنية، بعض المنصات تتعامل مع الواقعة باعتبارها مادة مفتوحة بلا سقف، متجاهلة أن العمل الصحفى والإعلامي له ضوابط ومعايير واضحة ومستقرة، ليست جديدة ولا محل اجتهاد، بل من بديهيات المهنة التي يفترض أن يتقنها كل من ينتمي إليها، وأن تراقبها إدارات المؤسسات قبل غيرها.
مجازًا يمكن تبرير بعض التجاوزات التى تصدر عن صفحات فردية على وسائل التواصل، لكن هذا التبرير لا يمكن مطلقا أن يمتد إلى منصات إعلامية يفترض أنها مهنية، لها تأثير، وتتحمل مسؤولية مضاعفة.
في مثل هذه الوقائع، أكثر ما يُنتهك ليس فقط مشاعر الناس… بل حقوقهم، الخصوصية تُنتهك، والتشهير يصبح أداة، سواء تجاه متهمين لم تصدر بحقهم أحكام، أو ضحايا يفترض حمايتهم لا كشفهم.
لا يوجد أي مبرر مهني أو قانوني يسمح باستباحة حياة الأفراد، لا المتهم ولا الضحية. بل إن إدانة شخص – حتى لو ثبتت لاحقًا – لا تبرر التشهير به، فما بالك بمن لم يُدان بعد، أما الضحايا، فالمساس بهم جريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية.
نشر صور أشخاص عاديين، أو تداول بياناتهم الخاصة، أو تقديمهم للرأي العام على نحو يكشف هويتهم… كل ذلك انتهاك صريح للخصوصية، لا يُرفع عنه الوصف القانوني إلا بموافقة حرة وصريحة منهم، وهي في كثير من الحالات غير متحققة أصلًا، أو مشوبة بظروف تضغط على أصحابها.
وتبلغ الخطورة ذروتها حين يكون الطرف طفلًا.
هنا لا نتحدث عن خطأ مهني فقط، بل عن جريمة مكتملة الأركان.
إجراء مقابلات مع طفل أو طفلة ضحية، وإظهار ملامحهم، أو نشر ما يمكن أن يوصمهم أو يكشف هويتهم، هو انتهاك يعاقب عليه القانون، ليس في تشريع واحد، بل في منظومة متكاملة من القوانين، من بينها قانون العقوبات وقانون الطفل. وحتى في حال الادعاء بالحصول على موافقة الأهل، فهذه ليست حماية… بل إضافة لمتهم جديد، لأن هذه “الموافقة” لا تُعتد بها قانونًا إذا ترتب عليها ضرر بالطفل.
السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية:
هل هذه الضوابط صعبة إلى هذا الحد؟
أم أن بريق “السبق” و”الريتش” أصبح أكثر إغراء من الالتزام بالقانون والمهنية؟






