الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

 ١. ما "الكمباوند"؟ قراءةٌ تاريخيّة
يظهر "الكمباوند" في مصر على أنّه امتدادٌ لنموذجٍ عمراني يُعرف بالمجتمعات المسوّرة، نشأ في سياق البحث عن الأمان، لكنه ارتبط أيضًا على مرّ الزمن بالعزل الاجتماعيّ وإعادة إنتاج الفوارق الطبقيّة بشكل مختلف وأكثر قسوة. أصبح الكومباوند لا يعزل الأغنياء عن الفقراء في أسلوب الحياة والمستوى المادي ونوع المسكن والملبس والحيّ فحسب ولكن أيضًا عزل شبه تام، أنت كفقير أو كغني تزداد الفرصة في انعدام الالتقاء، لو أراد الثري ألا يرى الفقير، يسطيع تجتبه تمام فهو لديه كفايته في مجتمعه الكومباوندي. هذا أيضًا قد يجعل الفقير يرى أن هذا العالم أو المحيط الذي يعيش فيه هو كل شيء، ولا يستوعب تماما أو لن يرجو تماما أن يحصل حيه العشوائي في يوم من الأيام على قسط من الأمان أو البنية التحتية والنظافة للكامباوند.

في مصر، منذ التسعينيات، ارتبط ظهور الكومباوندات بمشروع الخروج إلى الصحراء. لكن ما حدث لم يكن مجرّد توسّع عمراني، بل إعادة تشكيل للعلاقة بين الناس: مدينة داخل مدينة، محاطة بسور، لها أمنها وخدماتها ونمط حياتها.

إذًا، يمكن القول إنّ الكمباوند ليس فقط سكنًت ولكنه "تصوّر للعالم": عالم يقوم على الفصل بدل اللقاء، وعلى الانتقاء بدل الشمول. وعلى تقسيم البشر وفق وضعهم الماديّ.

٢.  قراءةٌ نقديّة في ضوء تعليم الكنيسة الاجتماعيّ
يقدّم تعليم الكنيسة الاجتماعي  معايير واضحة للحكم على الواقع، أهمّها: كرامة الإنسان، الخير العامّ، التضامن، الاهتمام بالأكثر هشاشة. وانطلاقًا من هذه المبادئ، يفرض الكمباوند أسئلة صعبة:

أين الخير العامّ؟
حين تتحوّل الخدمات مثل الأمن، والتعليم، والصحة، إلى امتياز داخل أسوار، لا تعود خدمة مشتركة، بل تصبح "محدودة ومجزّأة ومشروطة.

ماذا يحدث للتضامن؟
إنّ التضامن يفترض اللقاء. ولكنّ البنية المغلقة تقلّل اللقاء إن لم تلغِه من الأساس، وتحاول تشكيل المجتمع على أساس التشابه (الماديّ)، لا على أساس الشركة الإنسانيّة.

أين حضور المتألم؟
الإيمان المسيحي لا يتعرّف إلى الله في الفراغ، ولكنه يختبره في التاريخ وفي المجتمع. في صرخات البشر وعنائهم اليومي. لكن حين يُعزل الألم خارج الأسوار، يُصبح اللاهوت مهدّدًا بأن يفقد إحدى نقاط انطلاقه الأساسيّة. فالقضية ليست أخلاق أفراد، بل نحن هنا أمام "بنية اجتماعية تُنتج رؤية لاهوتية معيّنة". فاللاهوت لا يُصاغ في فراغ، هو دائمًا مرتبط بالمكان، وبما يُرى وما لا يُرى.

لاهوت الكمباوند
حين يتشكّل التفكير عن الله داخل بيئةٍ آمنة ومستقرة، تظهر ملامح معيّنة:

الله بوصفه ضامنًا للنظام والاستقرار
تركيز على السلام الداخليّ والطمأنينة
خطاب عن البركة والحماية
قراءة فردية للنصوص
هذه العناصر ليست خاطئة في حد ذاتها، لكنها ليست كلّ اللاهوت، وليست لاهوتًا طبيعيًّا لكن لاهوتًا للكومباوند. لاهوت نتاج من دفع أكثر، لاهوت ينتجه وعظ كنسي لوعّاظ الكومباوند. هو لاهوت ناقص، لأن اللاهوت المسيحيّ لا يمكن أن يتم خصخصته، وبناء جدران حوله ليخاطب فئة بمعزل عن الأخرى. ينهار علم اللاهوت والبشارة الإنجيليّة إذا انفصلا عن واقع الألم والصراع اليوميّ للشعب الذي جاء إليه الله ذاته «ونصب خيمته بينهم».

 لاهوت العشوائيات
في المقابل، حين يتشكّل اللاهوت في سياق البؤس:

الله يُدرك بوصفه قريبًا من المتألّمين
الإيمان يُعاش بوصفه قوّة رجاء وسط الضيق لتغيير الوضع القائم
النصوص تُقرأ من خلال اختبارات الخروج، والأنبياء، والصليب
حضورٌ قوي للاهوت العدالة الاجتماعيّة
في العشوائيات، بالمفهوم الشامل للتعبير، الله هنا  ليس فقط مصدر تعزية مروحنة، ولكنّه دعوة مستمرة لمواجهة الواقع وتغييره. روحانيّة تنتقد الواقع، وتسعي إلي هدم هيكليّات الظلم والطبقية والطغيان.

٣. أيّ لاهوت أقرب إلى الإنجيل؟
السؤال ليس أيّهما صحيح بشكل مجرّد، بل: أيّهما يعكس أكثر منطق التجسّد؟إنّ الإنجيل يقدّم إلهًا: يدخل التاريخ من الهامش، يقترب من المرضى والمرفوضين والمهمشين وسيئي السمعة والعشارين والعاهرات. ويكشف ذاته في الصليب. إنّ يسوع لم يختر موقعًا مغلقًا، ولكنّه عاش في قلب واقعٍ بشري مفتوح ومضطرب ومليء بالصراع. ومن هنا، لا يمكن فصل الإيمان بالمسيح عن "الاقتراب من الإنسان حيث هو" في داخل دراما حياته اليوميّة.

 أين يجب أن تكون الكنيسة؟
السؤال هنا ليس تنظيميًا، بل لاهوتي: هل تكون الكنيسة: داخل الأسوار فقط؟ عند الحدود حيث يلتقي المختلفون؟ أم في المواقع الأكثر هشاشة؟
إنّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يقود إلى إجابة واضحة في اتجاه واحد: حيث توجد الجراح، توجد دعوة الكنيسة. ليس لأن الفقر فضيلة، بل لأن الحقيقة الإنسانية، ومن ثم اللاهوتية، تظهر هناك بوضوح أكبر، لأن إله يسوع المسيح هو إله "ينحاز إلى الفقراء والبائسين.

ختامًا:  اللاهوت ليس أفكارًا فقط، بل "موقع رؤية": من أين ترى؟ مَن تسمع؟
من يُستبعَد من مجال رؤيتك؟

الكمباوند ليس خطيئة في ذاته، لكن الخطر أن يتحوّل إلى أفق مغلق للفهم اللاهوتي والروحيّ. وأخطر ما يمكن أن يحدث هو: أن نتكلّم عن الله، بينما صوت الإنسان المتألم لا يستطيع أن يخترق الأسوار التي بنيناها ليصل إلينا.

المشكلة ليست في السور… بل في اللحظة التي يتحوّل فيها السور إلى لاهوت.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ