أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ
رُؤْيَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ وَرَعَوِيَّةٌ وَلَاهُوتِيَّةٌ فِي ضَوْءِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ
الزَّوَاجُ الحَقِيقِيُّ الصَّحِيحُ وَالمُكْتَمِلُ وَالَّذِي لَيْسَ بِبَاطِلٍ وَلَا تَشُوبُهُ شَائِبَةٌ
خامِسًا: فِي الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ المُكْتَمِلِ الَّذِي لَيْسَ بِبَاطِلٍ
يَتِمُّ الآنَ شَرْحُ وَتَفْسِيرُ وَتَوْضِيحُ هٰذِهِ الآيَاتِ وَفْقَ سِيَاقِهَا وَهَدَفِهَا، حَتَّى نَفْهَمَ وَنَعِيَ وَنُدْرِكَ مَاذَا تَعْنِي فِي سِرِّ الزَّوَاجِ المُقَدَّسِ.
1 ـ "اِسْمَعِي يَا بِنْتُ وَانْظُرِي، وَأَمِيلِي أُذُنَكِ، وَانْسَيْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ" (المَزْمُورُ 45: 10).
إِنَّ هٰذِهِ الآيَةَ هِيَ دَعْوَةٌ مَجَازِيَّةٌ وَرُوحِيَّةٌ عَمِيقَةٌ، وَسِيَاقُهَا الأَصْلِيُّ هُوَ مَزْمُورٌ مَلَكِيٌّ يَحْتَفِلُ بِزَفَافِ مَلِكٍ (وَغَالِبًا مَا يُفَسَّرُ كَنُبُوَّةٍ عَنِ الْمَسِيحِ وَعَرُوسِهِ الْكَنِيسَةِ).
وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الفَهْمَ الخَاطِئَ لِهٰذِهِ الآيَةِ وَتَطْبِيقَهَا بِشَكْلٍ حَرْفِيٍّ وَمُتَطَرِّفٍ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى مُشْكِلَاتٍ أُسَرِيَّةٍ كَبِيرَةٍ. وَفِيمَا يَلِي الشَّرْحُ وَالتَّفْسِيرُ وَوَجْهَاتُ النَّظَرِ المُخْتَلِفَةُ:
أ ـ التَّفْسِيرُ الرُّوحِيُّ وَاللَّاهُوتِيُّ (المَعْنَى المَقْصُودُ)
ـ تَرْكِيزُ الوَلَاءِ: الآيَةُ لَا تَعْنِي عُقُوقَ الوَالِدَيْنِ أَوْ كَرَاهِيَةَ الأَهْلِ، بَلْ تَعْنِي إِعْطَاءَ الأَوْلَوِيَّةِ القُصْوَى لِلْعَرِيسِ الجَدِيدِ (المَلِكِ). فِي السِّيَاقِ الرُّوحِيِّ هِيَ دَعْوَةٌ لِلنَّفْسِ (العَرُوسِ) أَنْ تَتْرُكَ تَعَلُّقَهَا بِالعَالَمِ (بَيْتِ أَبِيهَا القَدِيمِ) وَتَلْتَصِقَ بِاللهِ (المَسِيحِ).
ـ بِنَاءُ هُوِيَّةٍ جَدِيدَةٍ: عِنْدَمَا تَتَزَوَّجُ المَرْأَةُ تَنْتَقِلُ مِنْ بَيْتِ أَبِيهَا لِتُؤَسِّسَ "بَيْتًا" جَدِيدًا. وَالآيَةُ تَحُثُّ عَلَى تَبَنِّي هُوِيَّةٍ جَدِيدَةٍ وَالِالْتِزَامِ بِالبَيْتِ الجَدِيدِ.
ـ الخُضُوعُ بِمَحَبَّةٍ: وَالآيَةُ التَّالِيَةُ (11) تَقُولُ: "لِأَنَّهُ هُوَ سَيِّدُكِ فَاسْجُدِي لَهُ"، وَهٰذَا يَعْنِي الخُضُوعَ المُبْتَنِيَ عَلَى الحُبِّ وَالثِّقَةِ وَالتَّقْدِيرِ، وَلَيْسَ العُبُودِيَّةَ، حَيْثُ يَكُونُ اللهُ هُوَ المَرْكَزُ.
ب ـ الفَهْمُ الخَاطِئُ الَّذِي يُسَبِّبُ مُشْكِلَاتٍ أُسَرِيَّةً
يَحْدُثُ الفَهْمُ الخَاطِئُ عِنْدَمَا تُسْتَخْدَمُ هٰذِهِ الآيَةُ كَذَرِيعَةٍ لِقَطْعِ العَلَاقَاتِ الأُسَرِيَّةِ، وَيَتَمَثَّلُ ذٰلِكَ فِي:
ـ القَطِيعَةُ التَّامَّةُ: تَفْسِيرُ "انْسَيْ" بِأَنَّهَا "اقْطَعِي عَلَاقَتَكِ بِأَهْلِكِ تَمَامًا"، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى جَفَاءٍ وَكَرَاهِيَةٍ وَتَمْزِيقِ الأَوْصَالِ الأُسَرِيَّةِ، بَيْنَمَا الوَصِيَّةُ الإِلٰهِيَّةُ هِيَ "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ".
ـ عَزْلُ الزَّوْجَةِ/الزَّوْجِ: اسْتِخْدَامُهَا لِإِجْبَارِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الِانْعِزَالِ عَنْ أَهْلِهِ، مِمَّا يَخْلُقُ ضَغْطًا نَفْسِيًّا وَشُعُورًا بِالذَّنْبِ، وَقَدْ يُسَبِّبُ مُشْكِلَاتٍ فِي تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ بِسَبَبِ غِيَابِ الجَدُّودِ.
ـ التَّبْرِيرُ الدِّينِيُّ لِلأَنَانِيَّةِ: أَحْيَانًا يُبَرِّرُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إِهْمَالَهُ مَسْؤُولِيَّاتِهِ تِجَاهَ أُسْرَتِهِ الأَصْلِيَّةِ بِـ "التَّرْكِيزِ عَلَى العَائِلَةِ الجَدِيدَةِ"، فِي حِينِ أَنَّ التَّوَازُنَ مَطْلُوبٌ.
ج ـ التَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ المُتَوَازِنُ (تَجَنُّبُ المُشْكِلَاتِ)
ـ "اِنْسَيْ شَعْبَكِ..." بَلْ تَغْيِيرُ أَوْلَوِيَّةٍ وَلَيْسَتْ قَطِيعَةً؛ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ العَائِلَةُ الجَدِيدَةُ هِيَ الأَوْلَوِيَّةَ (الرَّقَمُ 1)، وَلٰكِنْ هٰذَا لَا يَعْنِي إِلْغَاءَ العَائِلَةِ الأَصْلِيَّةِ (رَقَمُ 2). "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ... فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ" (1 تِيمُوثَاوُس 5: 😎.
وَحْدَةُ هُوِيَّةٍ جَدِيدَةٍ: "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ" (2 كُورِنْثُوس 5: 17).
ـ التَّرْكُ بِالمَعْنَى النَّفْسِيِّ: "النِّسْيَانُ" هُنَا يَعْنِي نَقْلَ الوَلَاءِ وَالمَشَاعِرِ وَالقَرَارَاتِ الرَّئِيسِيَّةِ لِتَكُونَ دَاخِلَ إِطَارِ البَيْتِ الجَدِيدِ، دُونَ احْتِقَارٍ أَوْ نِسْيَانِ صِلَةِ الرَّحِمِ.
ـ النَّمُوذَجُ الكِتَابِيُّ: يُشِيرُ الكِتَابُ إِلَى أَنَّ اللهَ يُبَارِكُ البَيْتَ الَّذِي يَسُودُهُ الحُبُّ وَالتَّفَاهُمُ، وَيَسْجِّلُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَوَاقِبَ المُشْكِلَاتِ العَائِلِيَّةِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الوَصَايَا لَا تُلْغِي المَشَاعِرَ الإِنْسَانِيَّةَ.
الخُلاَصَةُ:
هٰذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ دَعْوَةً لِلْقَطِيعَةِ، بَلْ هِيَ دَعْوَةٌ لِتَغْيِيرِ الأَوْلَوِيَّةِ وَالهُوِيَّةِ، فَالزَّوْجَةُ لَمْ تَعُدْ فَقَطْ "ابْنَةَ بَيْتِ أَبِيهَا"، بَلْ صَارَتْ "شَرِيكَةَ حَيَاةٍ".
فَهٰذِهِ الآيَةُ دَعْوَةٌ لِتَأْسِيسِ عَلَاقَةٍ زَوْجِيَّةٍ (وَرُوحِيَّةٍ) قَوِيَّةٍ وَنَاضِجَةٍ، حَيْثُ يَتْرُكُ الزَّوْجَانِ التَّعَلُّقَ الطُّفُولِيَّ بِأَهْلِهِمْ لِيَكُونُوا "جَسَدًا وَاحِدًا"، دُونَ أَنْ يَعْنِيَ ذٰلِكَ كَسْرَ الوَصَايَا الإِلٰهِيَّةِ بِبِرِّ الوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ.
وَهِيَ مُلْزِمَةٌ لِلزَّوْجَيْنِ بِعَدَمِ الإِخْلَالِ بِالوَصِيَّةِ: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ..." (خُرُوج 20: 12). "أَكْرِمْ" = اسْتِمْرَارُ البِرِّ وَالمَحَبَّةِ وَالاِحْتِرَامِ وَالرِّعَايَةِ، "وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الأَوْلَادُ أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ" (أَفَسُس 6: 1). هُنَا يَظْهَرُ التَّوَازُنُ الإِلٰهِيُّ: "كُلُّ وَاحِدٍ سَيَحْمِلُ حِمْلَ نَفْسِهِ" (غَلَاطِيَّة 6: 5). إِذًا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الزَّوَاجِ وَبِرِّ الوَالِدَيْنِ، بَلْ هُنَاكَ تَرْتِيبٌ صَحِيحٌ لِلأَوْلَوِيَّاتِ.
٢ ـ آيَةُ "لِذٰلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا" (التَّكْوِينُ 2: 24).
هِيَ وَاحِدَةٌ مِنْ أَهَمِّ التَّأْسِيسَاتِ الْكِتَابِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ لِمُؤَسَّسَةِ الزَّوَاجِ. الْفَهْمُ الْخَاطِئُ لِهٰذِهِ الآيَةِ هُوَ سَبَبٌ رَئِيسِيٌّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَاكِلِ الأُسَرِيَّةِ، حَيْثُ يُفَسِّرُهَا الْبَعْضُ كَدَعْوَةٍ لِقَطْعِ الْعَلَاقَاتِ، بَيْنَمَا هِيَ دَعْوَةٌ إِلَى إِعَادَةِ تَرْتِيبِ الأَوْلَوِيَّاتِ.
فِيمَا يَلِي شَرْحٌ وَتَفْسِيرٌ لِهٰذِهِ الآيَةِ:
أ ـ "لِذٰلِكَ" (السِّيَاقُ)
تَعُودُ كَلِمَةُ "لِذٰلِكَ" عَلَى مَا تَمَّ ذِكْرُهُ سَابِقًا (تَكْوِينُ 2: 23) عِنْدَمَا رَأَى آدَمُ حَوَّاءَ وَقَالَ: "هٰذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي". "لِذٰلِكَ" تَعْنِي: بِناءً عَلَى هٰذَا الِاتِّحَادِ الطَّبِيعِيِّ وَالرُّوحِيِّ وَالْجَسَدِيِّ الْفَرِيدِ، يُصْبِحُ الزَّوَاجُ هُوَ التَّرْتِيبَ الْجَدِيدَ.
ب ـ "يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ" (التَّرْكُ)
ـ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ: لَا تَعْنِي الآيَةُ نِهَائِيًّا الْعُقُوقَ أَوِ الْقَطِيعَةَ أَوْ إِهْمَالَ الْوَالِدَيْنِ، بَلْ تَعْنِي اسْتِقْلَالًا عَاطِفِيًّا وَمَالِيًّا وَقَرَارِيًّا.
ـ الْفَهْمُ الْخَاطِئُ: أَنْ يَسْتَمِرَّ الزَّوْجُ فِي الِاعْتِمَادِ كُلِّيًّا عَلَى وَالِدَيْهِ فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ، أَوْ أَنْ تَكُونَ أُمُّهُ أَوْ أَبُوهُ هُمْ أَصْحَابَ الْكَلِمَةِ الأُولَى فِي بَيْتِهِ.
ـ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ: تَغْيِيرُ مَرْكَزِ الْوَلَاءِ الأَوَّلِ؛ فَبَعْدَ الزَّوَاجِ تُصْبِحُ الزَّوْجَةُ (وَالْعَكْسُ) هِيَ أَوْلَوِيَّةُ الشَّرِيكِ الأُولَى، وَلَيْسَتِ الْعَائِلَةُ الَّتِي نَشَأَ فِيهَا.
ج ـ "وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ" (الالْتِصَاقُ)
ـ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ: هِيَ كَلِمَةٌ قَوِيَّةٌ تَعْنِي "الالْتِصَاقَ كَالْغِرَاءِ" أَوِ الِارْتِبَاطَ الْوَثِيقَ، وَتُشِيرُ إِلَى عَهْدٍ مُقَدَّسٍ لَا يَنْفَصِمُ.
ـ الْفَهْمُ الْخَاطِئُ: الزَّوَاجُ "تَجْرِبَةٌ" يُمْكِنُ إِنْهَاؤُهَا إِذَا حَدَثَتْ مُشْكِلَاتٌ، أَوْ أَنْ يَحْتَفِظَ كُلُّ طَرَفٍ بِـ "خَطِّ رُجُوعٍ" لِعَائِلَةِ الأَصْلِيِّينَ.
ـ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ: الالْتِزَامُ التَّامُّ وَالتَّعَلُّقُ بِشَرِيكِ الْحَيَاةِ عَاطِفِيًّا وَجَسَدِيًّا وَرُوحِيًّا، وَتَكْوِينُ "فَرِيقٍ وَاحِدٍ" يُوَاجِهُ الْحَيَاةَ مَعًا.
د ـ "وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا" (الْوَحْدَةُ)
ـ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ: الْوَحْدَةُ الشَّامِلَةُ (الْجَسَدُ وَالنَّفْسُ وَالرُّوحُ وَالأَهْدَافُ).
ـ الْفَهْمُ الصَّحِيحُ:
ـ وَحْدَةُ الأَهْدَافِ: يُصْبِحُ لَهُمَا أَهْدَافٌ مُشْتَرَكَةٌ وَمُسْتَقْبَلٌ وَاحِدٌ.
ـ وَحْدَةُ الْعَاطِفَةِ: التَّشَارُكُ فِي الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ.
ـ وَحْدَةُ الْمَوَارِدِ: التَّشَارُكُ فِي الأُمُورِ الْمَادِّيَّةِ.
ـ الْوَحْدَةُ الْجَسَدِيَّةُ: الْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ الْمُقَدَّسَةُ.
هـ ـ الْمَشَاكِلُ النَّاتِجَةُ:
إِذَا لَمْ يَتْرُكِ الزَّوْجَانِ وَالِدَيْهِمَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ هٰذَا "الالْتِصَاقُ" الْكَامِلُ، وَبِالتَّالِي لَا تَتَحَقَّقُ "الْوَحْدَةُ" (جَسَدًا وَاحِدًا)، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى انْقِسَامِ الْبَيْتِ.
و ـ نَتِيجَةُ الْمَشَاكِلِ الأُسَرِيَّةِ لِلْفَهْمِ الْخَاطِئِ
ـ تَدَخُّلُ الأَهْلِ: عِنْدَمَا لَا يَحْدُثُ "التَّرْكُ"، يَتَدَخَّلُ الأَهْلُ فِي تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، مِمَّا يُسَبِّبُ عَدَمَ اسْتِقْرَارٍ.
ـ أَزَمَاتُ الثِّقَةِ: الشَّرِيكُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الأَوْلَوِيَّةَ، مِمَّا يُضْعِفُ الرَّابِطَةَ.
ـ الِانْفِصَالُ الْعَاطِفِيُّ: الالْتِصَاقُ الْخَاطِئُ (بِالأَهْلِ) يُؤَدِّي إِلَى الْجَفَاءِ وَالتَّبَاعُدِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
ـ الْخُلَاصَةُ:
الآيَةُ تَعْنِي أَنَّ الزَّوَاجَ هُوَ عَهْدٌ مُقَدَّسٌ يَقْتَضِي تَرْكَ الِاعْتِمَادِ عَلَى عَائِلَةِ الأَصْلِ، وَالالْتِصَاقَ بِالشَّرِيكِ لِبِنَاءِ وَحْدَةٍ جَدِيدَةٍ وَمُسْتَقِلَّةٍ، يَكُونُ فِيهَا الزَّوْجَانِ "جَسَدًا وَاحِدًا". دُونَ أَنْ يَعْنِيَ ذٰلِكَ كَسْرَ الْوَصَايَا الإِلٰهِيَّةِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ.
"لِذٰلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ..." (تَكْوِينُ 2: 24)، "يَتْرُكُ" = اسْتِقْلَالٌ فِي الْقَرَارِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ؛ "يَلْتَصِقُ" = وَحْدَةٌ زَوْجِيَّةٌ عَمِيقَةٌ، "إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ" (مَتَّى 19: 6).
٣ ـ "لُطْفُ الْمَرْأَةِ يُنَعِّمُ رَجُلَهَا، وَأَدَبُهَا يُسَمِّنُ عِظَامَهُ" (سِفْرُ يَشُوعَ بْنِ سِيراخ ٢٦: ١٦-١٧).
تُعَدُّ الآيَةُ "لُطْفُ الْمَرْأَةِ يُنَعِّمُ رَجُلَهَا، وَأَدَبُهَا يُسَمِّنُ عِظَامَهُ" مِنْ سِفْرِ يَشُوعَ بْنِ سِيراخَ (الإِصْحَاحِ ٢٦: ١٦-١٧) حِكْمَةً تَرْبَوِيَّةً وَرُوحِيَّةً عَمِيقَةً تَصِفُ أَثَرَ الْمَرْأَةِ الْفَاضِلَةِ (الصَّالِحَةِ) فِي حَيَاةِ زَوْجِهَا وَبَيْتِهَا.
فِيمَا يَلِي شَرْحٌ وَتَفْسِيرٌ لِهٰذِهِ الآيَةِ فِي سِيَاقِ الْمَشَاكِلِ الأُسَرِيَّةِ الَّتِي تَنْشَأُ نَتِيجَةَ الْفَهْمِ الْخَاطِئِ لأَدْوَارِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ:
أ ـ الشَّرْحُ التَّفْسِيرِيُّ لِلآيَةِ
ـ "لُطْفُ الْمَرْأَةِ يُنَعِّمُ رَجُلَهَا": اللُّطْفُ هُنَا لَا يَعْنِي الضَّعْفَ، بَلِ الرِّقَّةَ، وَالْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ، وَالِاحْتِوَاءَ. "يُنَعِّمُ" تَعْنِي يُرِيحُ، يُسْعِدُ، وَيَجْعَلُ الْحَيَاةَ نَاعِمَةً وَهَادِئَةً. الْمَرْأَةُ اللَّطِيفَةُ هِيَ مَصْدَرُ رَاحَةٍ نَفْسِيَّةٍ لِزَوْجِهَا بَعْدَ تَعَبِ الْيَوْمِ.
"أَدَبُهَا يُسَمِّنُ عِظَامَهُ": الأَدَبُ هُنَا يَعْنِي الْحِكْمَةَ، وَالتَّرْبِيَةَ الصَّالِحَةَ، وَالْحِشْمَةَ، وَضَبْطَ النَّفْسِ.
ـ "يُسَمِّنُ عِظَامَهُ" هِيَ كِنَايَةٌ (اسْتِعَارَةٌ) عَنِ الْقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ وَالنَّضَارَةِ. الأَدَبُ يَبْنِي الزَّوْجَ نَفْسِيًّا وَرُوحِيًّا، وَيَجْعَلُهُ رَجُلًا قَوِيًّا وَمُسْتَقِرًّا، تَمَامًا كَمَا يُقَوِّي الطَّعَامُ الْعِظَامَ.
ب ـ التَّفْسِيرُ فِي سِيَاقِ الْمَشَاكِلِ الأُسَرِيَّةِ (الْفَهْمُ الْخَاطِئُ)
غَالِبًا مَا تَنْشَأُ الْمَشَاكِلُ الأُسَرِيَّةُ عِنْدَ غِيَابِ هٰذِهِ الصِّفَاتِ أَوْ فَهْمِهَا بِشَكْلٍ مَقْلُوبٍ:
ـ عِوَضًا عَنِ اللُّطْفِ (الرِّقَّةِ) ــ > الصِّدَامُ وَالنِّدِّيَّةُ: عِنْدَمَا تَفْهَمُ الْمَرْأَةُ أَنَّ قُوَّتَهَا فِي الصَّوْتِ الْعَالِي أَوِ التَّصَادُمِ الدَّائِمِ مَعَ الزَّوْجِ، يَضِيعُ "اللُّطْفُ"، مِمَّا يُحَوِّلُ الْبَيْتَ إِلَى سَاحَةِ حَرْبٍ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ سَكَنًا، فَيَشْعُرُ الزَّوْجُ بِالضِّيقِ وَالِاخْتِنَاقِ (عَكْسُ يُنَعِّمُ).
ـ عِوَضًا عَنِ الأَدَبِ (الْحِكْمَةِ) ــ > الثَّرْثَرَةُ وَعَدَمُ الْمَسْؤُولِيَّةِ: "الأَدَبُ" يَعْنِي إِدَارَةَ الْبَيْتِ بِحِكْمَةٍ، وَالْوَقَارَ، وَالْمَحَبَّةَ لِلصَّمْتِ (الْهُدُوءِ). الْفَهْمُ الْخَاطِئُ يَجْعَلُ الْمَرْأَةَ تُهْمِلُ بَيْتَهَا أَوْ تَتَدَخَّلُ فِي خُصُوصِيَّاتِ زَوْجِهَا بِوَقَاحَةٍ أَوْ تُثَرْثِرُ، مِمَّا يُضْعِفُ الزَّوْجَ (عَكْسُ يُسَمِّنُ عِظَامَهُ) وَيَجْعَلُهُ مُتَوَتِّرًا.
ـ الْمَرْأَةُ الشِّرِّيرَةُ كَـ "نِيرٍ": يَصِفُ السِّفْرُ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَفْتَقِرُ لِلْلُّطْفِ وَالأَدَبِ بِأَنَّهَا "نِيرٌ قَلِقٌ" (خَشَبَةٌ تَرْبِطُ حَيَوَانَيْنِ لِلْمِحْرَاثِ) تُسَبِّبُ لِزَوْجِهَا وَجَعَ قَلْبٍ وَنَوْحًا.
ج ـ مَا تَعْنِيهِ الآيَةُ فِي الْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ (الْفَهْمُ الصَّحِيحُ)
ـ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ هِيَ "تَاجٌ": الزَّوْجَةُ الْفَاضِلَةُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ زَوْجَهَا "مَغْبُوطًا" (سَعِيدًا) وَعَدَدَ أَيَّامِهِ مُضَاعَفًا.
ـ السَّلَامُ الدَّاخِلِيُّ: الْمَرْأَةُ الَّتِي تَتَّقِي اللَّهَ تَكُونُ "نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ" (سِير ٢٦: ١٩)، وَبِأَدَبِهَا وَوَقَارِهَا تُضِيفُ عَلَى بَيْتِهَا سَلَامًا، وَتَدْعَمُ زَوْجَهَا لِيَكُونَ قَوِيًّا فِي مُوَاجَهَةِ الْحَيَاةِ.
ـ خُلَاصَةٌ:
تُشِيرُ الآيَةُ إِلَى أَنَّ سُلُوكَ الْمَرْأَةِ الْهَادِئَ وَالرَّزِينِ (اللُّطْفَ وَالأَدَبَ) هُوَ الِاسْتِثْمَارُ الْحَقِيقِيُّ فِي نَجَاحِ الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَصِحَّةِ الزَّوْجِ النَّفْسِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ، وَأَنَّ غِيَابَ هٰذِهِ الصِّفَاتِ (بِسَبَبِ سُوءِ الْفَهْمِ) هُوَ السَّبَبُ الرَّئِيسِيُّ لِلتَّعَاسَةِ الأُسَرِيَّةِ.
٤ ـ "لِيُوفِ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ، وَكَذٰلِكَ الْمَرْأَةُ أَيْضًا الرَّجُلَ" (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ ٧: ٣).
هِيَ مَبْدَأٌ كِتَابِيٌّ جَوْهَرِيٌّ فِي الْمَسِيحِيَّةِ يُنَظِّمُ الْعَلَاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ، وَيَهْدِفُ إِلَى الْحِفَاظِ عَلَى تَمَاسُكِ الأُسْرَةِ وَإِشْبَاعِ احْتِيَاجَاتِ الطَّرَفَيْنِ.
إِلَيْكُمْ تَفْسِيرٌ شَامِلٌ لِلآيَةِ، مَعْنَاهَا، وَكَيْفَ يُؤَدِّي الْفَهْمُ الْخَاطِئُ لَهَا إِلَى مَشَاكِلَ أُسَرِيَّةٍ:
أ ـ شَرْحٌ وَتَفْسِيرُ الآيَةِ (١ كُورِنْثُوسَ ٧: ٣)
ـ الْمَعْنَى الْمُبَاشِرُ: يُوَجِّهُ الرَّسُولُ بُولُسُ الزَّوْجَيْنِ إِلَى ضَرُورَةِ تَبَادُلِ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ، خَاصَّةً فِي الْجَانِبِ الْحَمِيمِيِّ وَالْجَسَدِيِّ، بِحَيْثُ لَا يُحْرَمُ طَرَفٌ الآخَرَ.
ـ الْحَقُّ الْوَاجِبُ (الْعَلَاقَةُ الْجَسَدِيَّةُ): الْمَقْصُودُ بِهِ الْحَقُّ فِي الْمَضْجَعِ الزَّوْجِيِّ. الْجَسَدُ فِي الزَّوَاجِ الْمَسِيحِيِّ لَا يَمْلِكُهُ الشَّخْصُ وَحْدَهُ، بَلْ هُوَ مِلْكٌ مُشْتَرَكٌ لِلطَّرَفَيْنِ.
ـ التَّسَاوِي فِي الْحُقُوقِ: الآيَةُ تُؤَكِّدُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ الْمُطْلَقَةِ؛ فَكَمَا لِلرَّجُلِ حَقٌّ، لِلْمَرْأَةِ نَفْسُ الْحَقِّ. لَيْسَ لِلرَّجُلِ تَسَلُّطٌ مُنْفَرِدٌ، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ مُنْفَرِدٌ، بَلْ "تَسَلُّطٌ مُتَبَادَلٌ".
ـ الْمَوَدَّةُ وَالْمَحَبَّةُ: "الْحَقُّ" هُنَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمُمَارَسَةِ الْجَسَدِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ يَشْمَلُ "الْحَقَّ فِي الْمَوَدَّةِ"، وَالِاحْتِرَامَ، وَالْمُشَارَكَةَ الْعَاطِفِيَّةَ، وَالتَّقْدِيرَ، مِمَّا يَمْنَعُ تَحْوِيلَ الْعَلَاقَةِ إِلَى مُجَرَّدِ أَدَاءِ وَاجِبٍ آلِيٍّ.
ب ـ فَهْمٌ خَاطِئٌ يُؤَدِّي إِلَى مَشَاكِلَ أُسَرِيَّةٍ
يَنْتُجُ عَنْ سُوءِ تَفْسِيرٍ أَوْ تَطْبِيقٍ لِهٰذِهِ الآيَةِ مَشَاكِلُ أُسَرِيَّةٌ عَدِيدَةٌ، مِنْهَا:
ـ اسْتِغْلَالُ النَّصِّ (الْأَنَانِيَّةُ): اسْتِخْدَامُ الزَّوْجِ (أَوِ الزَّوْجَةِ) لِلآيَةِ لِفَرْضِ السَّيْطَرَةِ الْجِنْسِيَّةِ، مُتَجَاهِلًا مَشَاعِرَ أَوْ ظُرُوفَ الطَّرَفِ الآخَرِ، مِمَّا يُحَوِّلُ الْعَلَاقَةَ إِلَى "اسْتِعْبَادٍ" وَلَيْسَ "عَطَاءً مُتَبَادَلًا".
ـ حِرْمَانُ الشَّرِيكِ (الِامْتِنَاعُ): قِيَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِحِرْمَانِ الآخَرِ كَنَوْعٍ مِنَ الْعِقَابِ أَوْ بِدَافِعِ "السُّمُوِّ الرُّوحِيِّ" الْخَاطِئِ، وَهُوَ مَا يُحَذِّرُ مِنْهُ بُولُسُ الرَّسُولُ فِي الآيَةِ ٥ ("لَا يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوَافَقَةٍ")، لِأَنَّ هٰذَا يَفْتَحُ بَابًا لِلشَّيْطَانِ (الْخِيَانَةِ، الشَّكِّ).
ـ إِهْمَالُ الْمَوَدَّةِ الْعَاطِفِيَّةِ: التَّرْكِيزُ فَقَطْ عَلَى "الْحَقِّ الْجَسَدِيِّ" وَإِهْمَالُ الْحَقِّ الْعَاطِفِيِّ (الِاحْتِرَامِ، الِاهْتِمَامِ، الْحَدِيثِ) مِمَّا يَخْلُقُ فَجْوَةً عَاطِفِيَّةً.
ـ التَّوَقُّعَاتُ غَيْرُ الْوَاقِعِيَّةِ: الْفَهْمُ الْخَاطِئُ أَنَّ الزَّوَاجَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثَالِيًّا بِلَا مَشَاكِلَ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الْإِحْبَاطِ وَالتَّوَتُّرِ.
ج ـ مَا تَعْنِيهِ الآيَةُ فِي الْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ
ـ الْمَسْؤُولِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ: الزَّوَاجُ هُوَ أَخْذٌ وَعَطَاءٌ، وَالِالْتِزَامُ بِتَهْيِئَةِ الْجَوِّ الْمُنَاسِبِ لِلْمَحَبَّةِ.
ـ الِاحْتِرَامُ الْمُتَبَادَلُ: التَّعَامُلُ مَعَ جَسَدِ الشَّرِيكِ وَمَشَاعِرِهِ كَشَيْءٍ مُقَدَّسٍ.
ـ التَّوَاصُلُ الْفَعَّالُ: التَّحَدُّثُ بِصَرَاحَةٍ عَنْ الِاحْتِيَاجَاتِ الْخَاصَّةِ بِكُلِّ طَرَفٍ، وَالِاتِّفَاقُ (بِالْمُوَافَقَةِ) فِي حَالَاتِ الِامْتِنَاعِ الْمُؤَقَّتِ (لِلصَّلَاةِ أَوِ الصَّوْمِ).
ـ خُلَاصَةٌ:
الآيَةُ تَدْعُو إِلَى الْخِدْمَةِ الْمُتَبَادَلَةِ بِالْحُبِّ، حَيْثُ يَبْحَثُ كُلُّ طَرَفٍ عَنْ إِشْبَاعِ احْتِيَاجَاتِ الآخَرِ، لَا احْتِيَاجَاتِ نَفْسِهِ فَقَطْ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى سَلَامٍ وَاسْتِقْرَارِ الْبَيْتِ.
٥ ـ "لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ. وَكَذٰلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ، بَلْ لِلْمَرْأَةِ" (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ ٧: ٤).
هٰذِهِ الآيَةُ هِيَ وَاحِدَةٌ مِنْ أَكْثَرِ النُّصُوصِ الْكِتَابِيَّةِ الَّتِي قَدْ تُفْهَمُ بِشَكْلٍ خَاطِئٍ وَتُسَبِّبُ مَشَاكِلَ أُسَرِيَّةً، خَاصَّةً عِنْدَمَا يُنْتَزَعُ النَّصُّ مِنْ سِيَاقِهِ وَيُرَكَّزُ عَلَى جُزْءٍ دُونَ الآخَرِ.
إِلَيْكُمْ الشَّرْحُ وَالتَّفْسِيرُ التَّوْضِيحِيُّ لِمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ:
أ ـ السِّيَاقُ الْعَامُّ لِلآيَةِ
سِيَاقُ الإِصْحَاحِ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ وَحُقُوقِ الزَّوْجَيْنِ. بُولُسُ الرَّسُولُ يُجِيبُ عَنْ تَسَاؤُلَاتٍ حَوْلَ الْبَتُولِيَّةِ وَالزَّوَاجِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الزَّوَاجَ هُوَ الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ لِتَجَنُّبِ الزِّنَا (١ كُورِنْثُوسَ ٧: ٢).
ب ـ التَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ (مَاذَا تَعْنِي؟)
الآيَةُ تَعْنِي أَنَّ الزَّوَاجَ الْمَسِيحِيَّ يُؤَسِّسُ لِوَحْدَةٍ جَسَدِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ كَامِلَةٍ، حَيْثُ يُصْبِحُ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ "جَسَدًا وَاحِدًا".
ـ "لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ": الزَّوْجَةُ، بِمَحْضِ إِرَادَتِهَا فِي الزَّوَاجِ، تُشَارِكُ زَوْجَهَا فِي الْحَيَاةِ الْحَمِيمِيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ، فَيَكُونُ الْجَسَدُ مُشْتَرَكًا فِي مَعْنَى الْعَطَاءِ وَالِانْتِمَاءِ.
ـ "وَكَذٰلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ، بَلْ لِلْمَرْأَةِ": وَهٰذَا هُوَ الشِّقُّ الْمُهِمُّ الَّذِي يُهْمَلُ كَثِيرًا. فَالرَّجُلُ أَيْضًا لَا يَمْلِكُ جَسَدَهُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْلَالِ الْمُطْلَقِ، بَلْ يُصْبِحُ فِي عَهْدِ مَحَبَّةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ مُتَبَادَلَةٍ مَعَ زَوْجَتِهِ.
ج ـ الْمَشَاكِلُ الأُسَرِيَّةُ النَّاتِجَةُ عَنِ الْفَهْمِ الْخَاطِئِ
يَحْدُثُ سُوءُ الْفَهْمِ عِنْدَمَا يُقْتَطَعُ جُزْءٌ مِنَ الآيَةِ لِتَبْرِيرِ السَّيْطَرَةِ، وَتُهْمَلُ الْجُمْلَةُ الْمُقَابِلَةُ. وَمِنْ نَتَائِجِ ذٰلِكَ:
ـ اسْتِخْدَامٌ تَبْرِيرِيٌّ خَاطِئٌ: يُسْتَخْدَمُ النَّصُّ لِإِجْبَارِ الطَّرَفِ الآخَرِ عَلَى مَا لَا يُرِيدُهُ.
ـ غِيَابُ الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ: يَشْعُرُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَنَّهُ مِلْكِيَّةٌ لَيْسَ شَرِيكًا.
ـ نُمُوُّ الْأَنَانِيَّةِ: حَيْثُ يَسْعَى كُلُّ طَرَفٍ لِإِشْبَاعِ نَفْسِهِ دُونَ مُرَاعَاةِ الآخَرِ.
د ـ التَّوْضِيحُ الْكِتَابِيُّ لِتَجَنُّبِ الْفَهْمِ الْخَاطِئِ
ـ الْمَحَبَّةُ لَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا: الْآيَةُ تَقَعُ ضِمْنَ مَبْدَأِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي تُؤْثِرُ الآخَرَ (١ كُورِنْثُوسَ ١٣: ٥).
ـ الْمُوَافَقَةُ الْمُتَبَادَلَةُ: "لَا يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوَافَقَةٍ..." (١ كُورِنْثُوسَ ٧: ٥)، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ تَقُومُ عَلَى الرِّضَا لَا الْإِجْبَارِ.
ـ الْمَسْؤُولِيَّةُ لَا السَّيْطَرَةُ: هِيَ مَسْؤُولِيَّةُ تَحْقِيقِ احْتِيَاجَاتِ الطَّرَفِ الآخَرِ بِمَحَبَّةٍ، لَا سُلْطَةٌ لِفَرْضِ الْإِرَادَةِ.
ـ بِاخْتِصَارٍ:
الآيَةُ تَدْعُو إِلَى التَّضْحِيَةِ الْمُتَبَادَلَةِ وَالْمَحَبَّةِ الْمَسْؤُولَةِ، لَا إِلَى اسْتِعْبَادِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآخَرِ.
ـ الخُلاَصَةُ:
يُؤَكِّدُ مَا جَاءَ فِي رِسَالَةِ كُورِنْثُوسَ الأُولَى 7: 4 عَلَى هٰذَا العَطَاءِ مِنْ خِلَالِ النَّظْرَةِ الصَّحِيحَةِ إِلَى الجَسَدِ. فَبِمَا أَنَّ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ يُصْبِحَانِ جَسَدًا وَاحِدًا...
فَهٰذِهِ الآيَةُ دَعْوَةٌ إِلَى العَطَاءِ المُتَبَادَلِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ المُشْتَرَكَةِ فِي الجَسَدِ، حَيْثُ يَتَنَازَلُ كُلُّ طَرَفٍ عَنْ "أَنَانِيَّةِ" جَسَدِهِ لِخِدْمَةِ الآخَرِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الوَحْدَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَلَيْسَ إِلَى التَّسَلُّطِ وَالقَهْرِ.
وَالمَعْنَى هُوَ فِي المَسْؤُولِيَّةِ المُتَبَادَلَةِ وَالخِدْمَةِ العَاطِفِيَّةِ، وَلَيْسَ التَّمَلُّكَ أَوِ التَّسَلُّطَ، حَيْثُ يُسَلِّمُ كُلُّ طَرَفٍ حُقُوقَ جَسَدِهِ لِلآخَرِ.
✍️
أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...
F Oghos Melad





