مدحت قلادة
“ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟"
(إنجيل معلمنا متى 16: 26
يُقال إن الإنسان هو سيد هذا الكون، ليس لأنه الأقوى جسدًا، بل لأنه الأقدر عقلًا، والأعمق وعيًا، والأغنى روحًا. فمنذ فجر التاريخ، والإنسان يكتب قصته يومًا بعد يوم، سطرًا بعد سطر، عبر أفعاله، واختياراته، وصراعاته، وأحلامه. لكنه، في خضم هذه المسيرة الطويلة، يترك وراءه سؤالًا مقلقًا لا يمكن تجاهله: إذا كان الإنسان هو كاتب قصته، فلماذا تمتلئ هذه القصة بالحروب؟ لماذا تُروى فصولها بالدماء؟ ولماذا يتحول العقل، الذي يُفترض أنه أداة بناء، إلى وسيلة هدم؟
إن التناقض في طبيعة الإنسان ليس أمرًا جديدًا. فقد رأى Socrates أن المعرفة هي طريق الفضيلة، بينما اعتبر Thomas Hobbes أن الإنسان في حالته الطبيعية يميل إلى الصراع، حيث «الإنسان ذئب لأخيه الإنسان». وبين هذين التصورين، تتأرجح الحقيقة الإنسانية، فلا هي نقية بالكامل، ولا هي شريرة بالمطلق.
لكن الفلاسفة لم يتوقفوا عند هذا الحد. فقد رأى Jean-Jacques Rousseau أن الإنسان في أصله خير، وأن المجتمع هو الذي يفسده، حيث تتحول الفطرة النقية إلى صراع بسبب المصالح والتفاوت. بينما أكد Immanuel Kant أن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا كغاية في ذاته، لا كوسيلة، وأن الكرامة الإنسانية هي أساس كل أخلاق. وهنا يظهر التباين: هل الفساد في طبيعة الإنسان أم في البنية التي يعيش داخلها؟
أما Baruch Spinoza فقد نظر إلى الإنسان كجزء من نظام كوني تحكمه قوانين دقيقة، ورأى أن فهم هذه القوانين يقود إلى التحرر من الانفعالات السلبية. في حين ذهب Arthur Schopenhauer إلى رؤية أكثر تشاؤمًا، حيث اعتبر أن الإرادة العمياء هي التي تحرك الإنسان، وأن المعاناة جزء لا ينفصل عن وجوده.
وفي زاوية أخرى، قدّم Karl Marx تفسيرًا ماديًا للصراع الإنساني، معتبرًا أن الظلم والحروب ناتجة عن صراعات اقتصادية وهيمنة طبقية، حيث يتحول الإنسان إلى أداة داخل منظومة الإنتاج. بينما حذّر Hannah Arendt من “تفاهة الشر”، حين يتحول الإنسان العادي إلى منفذ للشر دون وعي، فقط لأنه توقف عن التفكير الأخلاقي.
ومع Martin Heidegger، يصبح السؤال أكثر عمقًا، إذ يرى أن الإنسان قد نسي “حقيقة وجوده”، وانشغل بالمظاهر والاستهلاك، ففقد صلته بجوهره. وهنا لا تكون المشكلة في الشر فقط، بل في الغفلة، في الابتعاد عن المعنى، في العيش على السطح دون الغوص في العمق.
أما Erich Fromm فقد ميّز بين نمطين من الوجود: “أن يكون” و“أن يملك”. فرأى أن الإنسان الحديث انحرف نحو التملك والسيطرة، بدلًا من أن يعيش قيم الحب والمشاركة. وهذا التحول، في رأيه، هو أحد أسباب فقدان البوصلة الإنسانية.
وهكذا، تتعدد الرؤى، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة: أن الإنسان كائن قابل للسمو كما هو قابل للانحدار. وهذه الازدواجية ليست ضعفًا، بل هي جوهر الاختبار الإنساني. فالإنسان ليس ما هو عليه فقط، بل ما يختاره أن يكونه.
إن فقدان البوصلة الإنسانية لا يعني فقط غياب القيم، بل يعني أيضًا تمرد الإنسان على طبيعته الأصيلة. فالإنسان، في جوهره، كائن يسعى إلى الخير، إلى الحب، إلى التواصل. لكن حين ينفصل عن هذا الجوهر، يتحول إلى كائن غريب عن نفسه، يعيش في صراع دائم، ليس فقط مع الآخرين، بل مع ذاته. وكأن الإنسان لم يعد مجرد كائن يعيش، بل كائن يتمرد على إنسانيته نفسها.
ومع ذلك، لا يمكن أن تكون هذه النهاية. فالتاريخ، رغم قسوته، يحمل أيضًا إشارات أمل. لقد أكد Viktor Frankl أن الإنسان، حتى في أقسى الظروف، يملك القدرة على اختيار موقفه، وعلى إيجاد معنى لوجوده. وهذه القدرة هي ما يمنحنا الأمل في استعادة البوصلة، في العودة إلى إنسانيتنا، في إعادة تعريف أنفسنا.
لقد تعددت آراء الفلاسفة حول الإنسان، من Aristotle الذي رآه كائنًا اجتماعيًا، إلى Friedrich Nietzsche الذي دعا إلى تجاوز ذاته، لكنهم جميعًا، رغم اختلافاتهم، كانوا يتحدثون عن “إنسان”. عن كائن يحمل إمكانية الخير، وقابلية السمو، وقدرة الاختيار.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا مفر منه:
هل ما زال الإنسان إنسانًا؟
ربما لا تكمن الإجابة في الواقع كما هو، بل في ما يمكن أن يكون. فأن تكون إنسانًا ليس حالة ثابتة، بل مسؤولية مستمرة. إنه اختيار يتجدد كل يوم، في كل موقف، في كل علاقة، في كل قرار. وإذا كان الإنسان هو سيد هذا الكون، فإن سيادته الحقيقية لا تُقاس بقدرته على السيطرة، بل بقدرته على الرحمة.
إن استعادة البوصلة الإنسانية ليست مهمة فلسفية مجردة، بل هي ضرورة وجودية وأخلاقية. إنها مشروع إنقاذ للإنسان من نفسه، قبل أن تكون إنقاذًا له من الآخرين. إنها دعوة لإعادة بناء الضمير، لإحياء الفكر النقدي، لإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية التي لا تُقاس بالقوة ولا بالمصلحة.
فربما، فقط ربما، حين ينجح الإنسان في مصالحة ذاته، وفهم إنسانيته، وإعادة اكتشاف قيمه، يمكنه أن يكتب فصلًا جديدًا من قصته—فصلًا لا تُروى سطوره بالدماء، بل تُكتب بالوعي، وتُزيَّن بالرحمة، وتُختم بالسلام.
وحينها فقط، يمكن أن نجيب بثقة:
نعم… ما زال الإنسان إنسانًا، لكنه في حاجة دائمة أن يتذكر ذلك
“طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون. انجيل معلمنا متى " 9:5 "





