كتب - محرر الاقباط متحدون
ترأس غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بطريرك لبنان القداس الإلهي في دير سيدة النجاة – بكفيا (الآباء اليسوعيون)، لمناسبة الاحتفال باليوبيل المئة والخامس والسبعين على تأسيس أخوية سيدة النجاة للرجال، وذلك بالتزامن مع انطلاقة الشهر المريمي. وقد انطلق الموكب البطريركي من الصرح البطريركي في بكركي عند الساعة الرابعة والربع بعد الظهر، في إطار هذا الحدث الكنسي الذي جمع بين البعد الاحتفالي والروحي.
في مستهلّ القداس الإلهي، وبعد رتبة الدخول، ألقى رئيس الدير الأب داني يونس كلمة ترحيبية مختصرة، شدّد فيها على رمزية هذه المناسبة التي تجمع بين أمانة التاريخ وحيوية الحاضر، معتبرًا أن هذا اليوبيل يشكّل محطة شكر لله على مسيرة الأخوية، ودعوة متجددة للثبات في الإيمان والخدمة.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، كانت الكلمة لغبطة البطريرك، حيث ألقى عظة المناسبة، منطلقًا من قول الرب: «اعملوا لا للطعام الفاني، بل للطعام الباقي للحياة الأبدية».
انطلقت العظة من التمييز بين ما يفنى وما يبقى، مؤكدةً أن الإيمان لا يُختزل بتلبية الحاجات اليومية، بل يرتفع بالإنسان نحو أفقٍ أعمق، حيث تصبح العلاقة مع الله مصدر الحياة ومعناها. فالإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يترسّخ فيه من قيمٍ تبقى، حتى عندما يزول كل شيء.
وفي هذا السياق، أُعيد التأكيد على دور الجماعات الروحية كمدارس تُنشئ الإنسان من الداخل، لا كأطرٍ تنظيمية فحسب، بل كمساحات تُحوّل الصلاة إلى التزام، والإيمان إلى حضور فعلي في المجتمع. فالصلاة ليست انسحابًا من الواقع، بل إعدادًا لمواجهته بوعيٍ ومسؤولية.
كما توقّفت العظة عند ثنائية «ذاكرة الشكر ومسيرة الرجاء»، معتبرةً أن استعادة الماضي ليست غاية بحد ذاتها، بل اعترافٌ بنعمةٍ رافقت المسيرة عبر الزمن، فيما يشكّل الرجاء التزامًا بمتابعة الطريق، وعدم التوقف عند ما كان، بل الانطلاق نحو ما سيكون.
وفي مقاربةٍ للواقع العام، توسّعت العظة في البعد الوطني، حيث رسمت صورة واقعية لحال البلاد، مشيرةً إلى أن الناس يعيشون بين القلق والانتظار، بين الخوف والترقّب، في ظلّ أوضاع غير مستقرة ومصيرٍ غير واضح. وأكّدت أنّ الشعب متعب ويعيش حالة من الضياع والتردّد، كأنّه عالق في دوّامة لا تنتهي.
وشدّدت على رفض منطق الحرب، والدعوة الصريحة إلى السلام، معتبرةً أنّ الخيار الوحيد القادر على إنقاذ الوطن هو التمسّك بثقافة الحياة لا ثقافة الموت. كما دعت إلى عدم بناء الوطن على الحسابات الضيّقة والمصالح الظرفية، بل على ما يبقى: على القيم، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
وفي هذا الإطار، برزت دعوة واضحة إلى تحمّل المسؤولية، حيث شدّدت العظة على الحاجة إلى رجال للوطن، رجال ثابتين في الحق، أمناء في المسؤولية، لا يساومون على القيم، وقادرين على تحويل الإيمان إلى التزام فعلي في الحياة العامة.
كما أكّدت أنّ لبنان ليس ساحة انتظار ولا ساحة صراع، بل وطن رسالة، يحتاج إلى من يؤمن به ويعمل من أجله، لا إلى من يتركه رهينة الأزمات. ودعت إلى الانتقال من حالة الانتظار السلبي إلى العمل الفاعل، ومن القلق إلى الرجاء، ومن الخوف إلى المبادرة.
واختُتمت العظة بالتأكيد أنّ المرحلة، رغم صعوبتها، ليست نهاية، بل بداية جديدة، حيث يتحوّل الرجاء إلى مسيرة، والإيمان إلى شهادة، في سبيل بناء إنسانٍ ثابتٍ ووطنٍ قائمٍ على ما لا يزول.




