بقلم شريف منصور
لم تكن المشاهد القادمة من القدس يوم 29 أبريل 2026 مجرد لقطات عابرة لعدسات الكاميرا، بل كانت لحظة كاشفة للحقيقة العارية. حين تشاهد مستوطناً يتجرأ بكل تعصب على مد يده للاعتداء جسدياً على "راهبة" مسيحية في قلب المدينة المقدسة، تدرك أننا لسنا أمام مجرد "حادث فردي"، بل أمام ثقافة تعصب بدأت تنهش في جسد الوجود التاريخي
هذا المشهد الذي يفيض بالكراهية، لم يستفز مشاعرنا كبشر فحسب، بل أعادني بذاكرتي إلى صراعنا المرير مع "دولة المؤسسات" المزعومة. فعندما تتباهى إسرائيل بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، نكتشف أنها في ممارساتها لا تختلف كثيراً عن الأنظمة التي تنتقدها؛ بل إنها أحياناً تتفوق عليها في استخدام أدوات القوة والمال لفرض الأمر الواقع.
دير السلطان.. السرقة المقننة
إن التعصب الذي صفع الراهبة في الشارع، هو نفسه التعصب الذي سلب الأقباط "دير السلطان" منذ أكثر من خمسين عاماً. هذا الدير القبطي الذي يضرب بجذوره لأكثر من ألف سنة، أهدته السلطات الإسرائيلية لكنيسة أخرى في ليلة وغطس. ورغم أن المحكمة العليا الإسرائيلية (أعلى سلطة قضائية لديهم) حكمت بإعادة الدير للأقباط، إلا أن الحكومات المتعاقبة ووزراء الداخلية المتعاقبين ضربوا بالحكم عرض الحائط.
لقد تذرعوا بكل الحجج الواهية، معتمدين على سياسة النفس الطويل لسقوط الحكم بالتقادم، في مشهد يثبت أن القانون في هذه الدولة يُنفذ فقط عندما يخدم أيديولوجيتهم، ويُعطل عندما ينصف "أولاد العمومة" كما يحلو لهم أن يسموننا في خطاباتهم العربية المزيفة.
وساطات مشبوهة وعالم من المال
وهنا أكشف عن معلومة لا يعرفها إلا شخص محترم واحد كان وسيطاً قبل عامين لإعادة الدير؛ حيث طُلب مني 250 ألف دولار فقط لتحريك القضية! نعم، ربع مليون دولار دون أي ضمانات قانونية، وكأن الحقوق التاريخية للأمم أصبحت تُباع وتُشترى في "سوق سوداء" سياسية. وقتها قلت لهم: "متشكرين جداً على لا شيء".
هذه الوقائع تعيد إلى الواجهة تساؤلات أوسع حول الفارق بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية، ومدى تشابه بعض السياسات مع نماذج أخرى في المنطقة، رغم اختلاف الأدوات والإمكانات.





