الاب اغسطينوس ميلاد
  مَوْضُوعُ الِانْتِحَارِ: رُؤْيَةٌ رَعَوِيَّةٌ رُوحِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ إِيمَانِيَّةٌ مُتَكَامِلَة
يُعَدُّ مَوْضُوعُ الِانْتِحَارِ مِنْ أَخْطَرِ القَضَايَا الَّتِي تُوَاجِهُ الإِنْسَانَ فِي عَصْرِنَا الحَاضِرِ، إِذْ يَتَقَاطَعُ فِيهِ البُعْدُ الرُّوحِيُّ وَالنَّفْسِيُّ وَالِاجْتِمَاعِيُّ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ فِعْلٍ لَحْظِيٍّ، بَلْ نَتِيجَةُ تَرَاكُمَاتٍ مِنَ الأَلَمِ وَاليَأْسِ وَفُقْدَانِ المَعْنَى. وَلَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ فَهْمًا صَحِيحًا إِلَّا مِنْ خِلَالِ نَظْرَةٍ شَامِلَةٍ تُرَاعِي الإِنْسَانَ كُلًّا مُتَكَامِلًا.
أَوَّلًا: الِانْتِحَارُ فِي المَنْظُورِ اللَّاهُوتِيِّ وَالإِيمَانِيِّ وَتَعْلِيمِ الكَنِيسَةِ
 
أَوَّلًا: الِانْتِحَارُ فِي المَنْظُورِ اللَّاهُوتِيِّ
تُؤَكِّدُ الكَنِيسَةُ أَنَّ الحَيَاةَ هِيَ عَطِيَّةٌ مُقَدَّسَةٌ مِنَ اللهِ، وَأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ هُوَ سَيِّدُ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ، لِذٰلِكَ فَإِنَّ الِانْتِحَارَ يُعْتَبَرُ تَعَدِّيًا عَلَى سِيَادَتِهِ، وَكَسْرًا لِلوَصِيَّةِ: «لَا تَقْتُلْ» (خُرُوج 20: 13).
 
تُعَلِّمُ الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ أَنَّ الِانْتِحَارَ خَطِيئَةٌ جَسِيمَةٌ، لِأَنَّهُ تَعَدٍّ عَلَى حَقِّ اللهِ كَوَاهِبٍ لِلْحَيَاةِ، وَيَتَعَارَضُ مَعَ مَحَبَّةِ اللهِ وَالنَّفْسِ وَالقَرِيبِ. فَالإِنْسَانُ لَيْسَ مَالِكًا لِحَيَاتِهِ بَلْ وَكِيلٌ عَلَيْهَا، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الِانْتِحَارَ كَسْرٌ لِوَصِيَّةِ: «لَا تَقْتُلْ».
 
وَقَالَ إِنَّ القِدِّيسَ تُومَا الإِكْوِينِيَّ لَخَّصَ الأَسْبَابَ الَّتِي تُوَضِّحُ عَدَمَ مَشْرُوعِيَّةِ الِانْتِحَارِ إِطْلَاقًا فِي أَنَّ الإِنْسَانَ كَائِنٌ يُحِبُّ نَفْسَهُ بِطَبِيعَتِهِ، وَأَنَّ انْتِحَارَهُ يُعْتَبَرُ ضِدَّ هٰذَا المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ وَالمَحَبَّةِ الوَاجِبَةِ لِلنَّفْسِ. مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَكُلُّ إِنْسَانٍ مُرْتَبِطٌ بِجَمَاعَةٍ تُحِيطُ بِهِ كَالأَهْلِ وَالأَصْدِقَاءِ، وَهُوَ يَقْطَعُ رِبَاطَ التَّضَامُنِ الَّذِي يَجْمَعُهَا عِنْدَ انْتِحَارِهِ. وَالأَهَمُّ مِنْ كُلِّ ذٰلِكَ أَنَّ الحَيَاةَ هِيَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ لِلْإِنْسَانِ وَتُمَثِّلُ سِيَادَةَ اللهِ الَّذِي يُمِيتُ وَيُحْيِي، فَالَّذِي يَنْتَحِرُ يُخْطِئُ ضِدَّ اللهِ.
 
الإِنْسَانُ لَيْسَ مَالِكًا لِحَيَاتِهِ، بَلْ وَكِيلٌ عَلَيْهَا، وَبِالتَّالِي فَإِنَّ الِانْتِحَارَ:
 
1 ـ يُنَاقِضُ المَحَبَّةَ لِلذَّاتِ،
 
2 ـ يَكْسِرُ رَوَابِطَ المَحَبَّةِ مَعَ الآخَرِينَ،
 
3 ـ يُعَبِّرُ عَنْ رَفْضِ الرَّجَاءِ فِي رَحْمَةِ اللهِ.
 
ثَانِيًا: مَوْقِفُ الكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ مِنَ الِانْتِحَارِ (كِتَابُ التَّعْلِيمِ المَسِيحِيِّ لِلكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ)
البَنْدُ ـ 2280 «كُلُّ إِنْسَانٍ مَسْؤُولٌ عَنْ حَيَاتِهِ أَمَامَ اللهِ الَّذِي وَهَبَهَا لَهُ. فَاللهُ هُوَ السَّيِّدُ الأَعْلَى عَلَى الحَيَاةِ، وَيَظَلُّ كَذٰلِكَ دَائِمًا. وَنَحْنُ مُلْتَزِمُونَ أَنْ نَقْبَلَ الحَيَاةَ بِامْتِنَانٍ، وَأَنْ نَحْفَظَهَا لِمَجْدِهِ وَلِخَلَاصِ نُفُوسِنَا. نَحْنُ وَكَلَاءُ عَلَى الحَيَاةِ الَّتِي ائْتَمَنَنَا اللهُ عَلَيْهَا، وَلَسْنَا مَالِكِينَ لَهَا. لِذٰلِكَ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَصَرَّفَ فِيهَا تَصَرُّفَ المَالِكِ».
 
البَنْدُ ـ 2281 «الِانْتِحَارُ يُنَاقِضُ المَيْلَ الطَّبِيعِيَّ فِي الإِنْسَانِ إِلَى حِفْظِ حَيَاتِهِ وَاسْتِمْرَارِهَا. وَهُوَ مُنَافٍ مُنَافَاةً شَدِيدَةً لِلمَحَبَّةِ الوَاجِبَةِ لِلذَّاتِ. وَهُوَ أَيْضًا إِسَاءَةٌ إِلَى مَحَبَّةِ القَرِيبِ، لِأَنَّهُ يَقْطَعُ ظُلْمًا رَوَابِطَ التَّضَامُنِ مَعَ الأُسْرَةِ، وَمَعَ المُجْتَمَعِ، وَمَعَ البَشَرِيَّةِ الَّتِي تَبْقَى لَنَا نَحْوَهَا التِزَامَاتٌ. وَالِانْتِحَارُ يَتَعَارَضُ مَعَ مَحَبَّةِ اللهِ الحَيِّ».
 
البَنْدُ ـ 2282 «إِذَا ارْتُكِبَ الِانْتِحَارُ بِقَصْدِ أَنْ يَكُونَ مِثَالًا لِغَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا لِلشَّبَابِ، فَإِنَّهُ يَكْتَسِبُ أَيْضًا ثِقْلَ الفَضِيحَةِ وَالعَثْرَةِ. كَمَا أَنَّ الِاشْتِرَاكَ الإِرَادِيَّ فِي الِانْتِحَارِ يَتَعَارَضُ مَعَ الشَّرِيعَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ. لٰكِنِ الِاضْطِرَابَاتُ النَّفْسِيَّةُ الخَطِيرَةُ، أَوِ الضِّي الشَّدِيدُ، أَوِ الخَوْفُ العَنِيفُ مِنَ المِحْنَةِ أَوِ الأَلَمِ أَوِ التَّعْذِيبِ، يُمْكِنُ أَنْ تُنْقِصَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ مَنْ يُقْدِمُ عَلَى الِانْتِحَارِ».
 
البَنْدُ ـ 2283 «لَا يَنْبَغِي أَنْ نَيْأَسَ مِنَ الخَلَاصِ الأَبَدِيِّ لِلأَشْخَاصِ الَّذِينَ أَنْهَوْا حَيَاتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ. فَاللهُ قَادِرٌ، بِالطُّرُقِ الَّتِي يَعْلَمُهَا هُوَ وَحْدَهُ، أَنْ يُهَيِّئَ لَهُمْ فُرْصَةَ تَوْبَةٍ خَلَاصِيَّةٍ. وَالكَنِيسَةُ تُصَلِّي مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَنْهَوْا حَيَاتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ».
وَيَقُولُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ:
 
«أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ القُدُسِ… وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟» (1 كُورِنْثُوس 6: 19).
 
وَمَعَ ذٰلِكَ، تُقَدِّمُ الكَنِيسَةُ نَظْرَةً رَحِيمَةً، إِذْ تُقِرُّ أَنَّ الِاضْطِرَابَاتِ النَّفْسِيَّةَ الخَطِيرَةَ، أَوِ الضِّيقَ الشَّدِيدَ، أَوِ الخَوْفَ العَنِيفَ، قَدْ تُنْقِصُ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الإِنْسَانِ. لِذٰلِكَ لَا تَيْأَسُ الكَنِيسَةُ مِنْ خَلَاصِ المُنْتَحِرِ، بَلْ تُسَلِّمُهُ لِرَحْمَةِ اللهِ، مُؤَكِّدَةً:
«لَا يَنْبَغِي أَنْ نَيْأَسَ مِنْ خَلَاصِهِمْ».
 
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرَّعَوِيَّةِ، تَمِيلُ الكَنِيسَةُ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى المُنْتَحِرِينَ، مُرَاعَاةً لِظُرُوفِهِمُ النَّفْسِيَّةِ وَالأُسَرِيَّةِ، وَثِقَةً فِي الرَّحْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ، مَعَ تَرْكِ الدَّيْنُونَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ فَاحِصُ القُلُوبِ وَالأَعْلَمُ بِضَعْفِ الإِنْسَانِ.
 
ثَالِثًا: شَوَاهِدُ كِتَابِيَّةٌ بَيْنَ اليَأْسِ وَالرَّجَاءِ
يُقَدِّمُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ أَمْثِلَةً لِأُنَاسٍ مَرُّوا بِلَحَظَاتِ يَأْسٍ شَدِيدَةٍ:
 
مُوسَى: «فَاقْتُلْنِي قَتْلًا» (عَدَد 11: 15)
 
إِيلِيَّا: «خُذْ نَفْسِي» (1 مُلُوك 19: 4)
 
يُونَان: «مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي» (يُونَان 4: 😎
 
أَيُّوب: تَكَلَّمَ فِي مَرَارَةِ نَفْسِهِ
وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يُنْهُوا حَيَاتَهُمْ، بَلِ اسْتَمَرُّوا، وَتَدَخَّلَ اللهُ وَحَوَّلَ أَلَمَهُمْ إِلَى خَيْرٍ.

فِي المُقَابِلِ، يَرِدُ مِثَالُ يَهُوذَا:
«مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ» (مَتَّى 27: 5).
 
رَابِعًا: الِانْتِحَارُ فِي الفِكْرِ الآبَائِيِّ
يَرَى الآبَاءُ أَنَّ الِانْتِحَارَ هُوَ اسْتِهَانَةٌ بِعَطِيَّةِ اللهِ، وَتَعْبِيرٌ عَنِ اليَأْسِ الَّذِي يُغْلِقُ بَابَ التَّوْبَةِ. وَيُشَبِّهُ القِدِّيسُ بَايِيسِيُوسُ الحَيَاةَ بِهَدِيَّةٍ ثَمِينَةٍ، وَالِانْتِحَارَ بِرَفْضِهَا وَإِلْقَائِهَا.
 
الِانْتِحَارُ هُوَ قَتْلٌ.. مِثْلَ أَيِّ قَتْلٍ، فَهُوَ تَعَدٍّ عَلَى سُلْطَانِ اللهِ الَّذِي لَهُ وَحْدَهُ السُّلْطَانُ فِي إِعْطَاءِ الحَيَاةِ أَوْ أَخْذِ النَّفْسِ... وَعَدَمُ القَتْلِ كَانَ مِنَ الوَصَايَا العَشْرِ: «لَا تَقْتُلْ» (سِفْرُ الخُرُوجِ 20: 13). وَهٰذَا لَيْسَ تَأْوِيلًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي القَرْنِ الخَامِسِ المِيلَادِيِّ يَتَحَدَّثُ صِرَاحَةً قَائِلًا: «إِنَّ الِانْتِحَارَ هُوَ ضِدَّ الوَصِيَّةِ السَّادِسَةِ».
 
خَامِسًا: الِانْتِحَارُ فِي المَنْظُورِ النَّفْسِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ
مِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ، لَيْسَ الِانْتِحَارُ رَغْبَةً فِي المَوْتِ، بَلْ رَغْبَةٌ فِي إِنْهَاءِ الأَلَمِ. فَكَثِيرًا مَا يَقُولُ المُتَأَلِّمُونَ:
«نُرِيدُ أَنْ يَتَوَقَّفَ الأَلَمُ، لَا أَنْ نَمُوتَ».
 
وَمِنْ هٰذَا المَنْظُورِ يَتَّضِحُ الفُرُوقُ بَيْنَ المَنْظُورِ الفَلْسَفِيِّ وَالدِّينِيِّ وَالنَّفْسِيِّ:
الفَلْسَفَةُ:
نَاقَشَ «إِيمَانُوِيلُ كَانْت» الِانْتِحَارَ كَفِعْلٍ غَيْرِ أَخْلَاقِيٍّ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ وَسِيلَةً لِإِرْضَاءِ نَفْسِهِ بَدَلًا مِنْ كَوْنِهِ غَايَةً.

الدِّينُ:
يُرَكِّزُ المَنْظُورُ الدِّينِيُّ عَلَى الجَانِبِ الإِيمَانِيِّ، مُعْتَبِرًا إِيَّاهُ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَنَتِيجَةً لِضَعْفِ اليَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ.
 
حِينَ لَمْ يَعُدِ الدَّاخِلُ يَحْتَمِلُ: رِحْلَةُ الأَلَمِ النَّفْسِيِّ قَبْلَ التَّفْكِيرِ بِالِانْتِحَارِ
 
بَعْضُ النَّاسِ لَا يُرِيدُونَ المَوْتَ، بَلْ يُرِيدُونَ فَقَطْ أَنْ يَتَوَقَّفَ الأَلَمُ. حِينَ يُعَانِي الإِنْسَانُ وَجَعًا نَفْسِيًّا دَاخِلِيًّا لَا يُحْتَمَلُ، يُصْبِحُ التَّفْكِيرُ بِالِانْتِحَارِ خِيَارًا مَطْرُوحًا. هٰذَا الأَلَمُ قَدْ لَا يَكُونُ نَاتِجًا فَقَطْ عَنِ الاكْتِئَابِ، بَلْ عَنْ شُعُورٍ دَاخِلِيٍّ عَمِيقٍ يُعْرَفُ فِي عِلْمِ النَّفْسِ بِاسْمِ الوَجَعِ النَّفْسِيِّ، وَهُوَ حَالَةٌ مِنَ الضِّيقِ العَاطِفِيِّ الشَّدِيدِ وَالشُّعُورِ بِالعَجْزِ وَفُقْدَانِ المَعْنَى.
 
مَا الوَجَعُ النَّفْسِيُّ؟
الوَجَعُ النَّفْسِيُّ هُوَ شُعُورٌ عَمِيقٌ بِالأَلَمِ الدَّاخِلِيِّ لَا يَظْهَرُ بِالضَّرُورَةِ فِي الفُحُوصَاتِ النَّفْسِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ. يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَذَابٌ دَاخِلِيٌّ نَاتِجٌ عَنْ مَشَاعِرَ مِثْلَ الذَّنْبِ، الخِزْيِ، الخَسَارَةِ، الوَحْدَةِ، انْعِدَامِ الأَمَلِ.
 
هٰذَا النَّوْعُ مِنَ الأَلَمِ قَدْ يَكُونُ هُوَ العَامِلَ الرَّئِيسَ الَّذِي يَدْفَعُ الشَّخْصَ إِلَى التَّفْكِيرِ فِي الِانْتِحَارِ، حَتَّى عِنْدَمَا لَا تَظْهَرُ عَلَيْهِ أَعْرَاضُ الاكْتِئَابِ بِوُضُوحٍ.
 
العَلَاقَةُ بَيْنَ الوَجَعِ النَّفْسِيِّ وَالِانْتِحَارِ:
تُشِيرُ الدِّرَاسَاتُ الحَدِيثَةُ إِلَى أَنَّ الوَجَعَ النَّفْسِيَّ يُعَدُّ مُؤَشِّرًا أَقْوَى عَلَى خَطَرِ الِانْتِحَارِ مِنَ الاكْتِئَابِ نَفْسِهِ.
 
عَدِيدٌ مِنَ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ حَاوَلُوا الِانْتِحَارَ قَالُوا إِنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا المَوْتَ، بَلْ أَرَادُوا فَقَطِ التَّوَقُّفَ عَنْ الشُّعُورِ بِهٰذَا الأَلَمِ العَاطِفِيِّ الَّذِي لَا يَهْدَأُ.
 
وَيُعْرَفُ ذٰلِكَ بِـ «الوَجَعِ النَّفْسِيِّ»، وَهُوَ أَلَمٌ دَاخِلِيٌّ عَمِيقٌ نَاتِجٌ عَنْ:
1 ـ الاكْتِئَابِ الحَادِّ:
الاكتئاب هو المرض النفسي الأكثر شهرة، والذي يُدخل المصاب في حالة من اليأس والشعور بعدم الجدوى.
 
الانتحار هو الخطوة الأخيرة في أعراض الاكتئاب الحاد، الذي يجعل المريض يرغب في الانسحاب من الحياة بجميع مظاهرها؛ فيميل للانعزال عن الناس، وتتأثر أنشطة حياته اليومية فلا يستطيع العمل، ويهمل مظهره ونظافته الشخصية، كما تنخفض مستويات الطاقة لديه، ويصبح غير قادرٍ على بذل المجهود.
 
2 ـ اضْطِرَابِ الشَّخْصِيَّةِ الحَدِّيَّةِ:
سَتَحْتَارُ كَثِيرًا فِي فَهْمِ الشَّخْصِ المُصَابِ بِاضْطِرَابِ الشَّخْصِيَّةِ الحَدِّيَّةِ؛ فَقَدْ سُمِّيَتْ بِهٰذَا الِاسْمِ بِسَبَبِ أَنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَى الحُدُودِ بَيْنَ الأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ دُونَ أَيِّ تَدَرُّجٍ فِي التَّفْكِيرِ وَالمَشَاعِرِ؛ فَالمَرِيضُ يَنْقَلِبُ فَجْأَةً بَيْنَ الغَضَبِ العَنِيفِ وَالهُدُوءِ، أَوِ الحُبِّ الشَّدِيدِ لِشَخْصٍ مَا وَالكُرْهِ الشَّدِيدِ لِنَفْسِ الشَّخْصِ، أَوْ بَيْنَ تَقْدِيرِ النَّفْسِ وَالشُّعُورِ بِالدُّونِيَّةِ.
سِمَةٌ مُهِمَّةٌ أُخْرَى تُمَيِّزُ المُصَابِينَ بِاضْطِرَابِ الشَّخْصِيَّةِ الحَدِّيَّةِ، وَهِيَ إِيذَاءُ النَّفْسِ مِنْ خِلَالِ جَرْحِ الجَسَدِ بِآلَةٍ حَادَّةٍ أَوِ العَضِّ أَوِ الحَرْقِ أَوْ ضَرْبِ الرَّأْسِ بِعُنْفٍ.
 
3 ـ الِاضْطِرَابِ ثُنَائِيِّ القُطْبِ:
بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ المُتَخَصِّصِينَ فَسَيَخْتَلِطُ الأَمْرُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُصَابِينَ بِالشَّخْصِيَّةِ الحَدِّيَّةِ وَالِاضْطِرَابِ ثُنَائِيِّ القُطْبِ. فَفِي الِاضْطِرَابِ ثُنَائِيِّ القُطْبِ يَتَأَرْجَحُ المُصَابُ بَيْنَ نَوْبَاتِ الاكْتِئَابِ الشَّدِيدَةِ، وَبَيْنَ نَوْبَاتِ الهَوَسِ، وَهِيَ حَالَةٌ مَرَضِيَّةٌ مِنَ الِابْتِهَاجِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَصِلُ بِالمَرِيضِ إِلَى حَدِّ الشُّعُورِ بِالعَظَمَةِ وَالمُبَالَغَةِ فِي تَقْدِيرِ الذَّاتِ.
 
فَالِاضْطِرَابَانِ يَتَشَابَهَانِ فِي تَأَرْجُحِ المَشَاعِرِ، لَكِنْ فِي «ثُنَائِيِّ القُطْبِ» تَسْتَمِرُّ النَّوْبَةُ الوَاحِدَةُ لِمُدَّةِ أُسْبُوعٍ عَلَى الأَقَلِّ، بَيْنَمَا فِي الشَّخْصِيَّةِ الحَدِّيَّةِ قَدْ يَتَقَلَّبُ «مِزَاجُ» المَرِيضِ فِي اليَوْمِ الوَاحِدِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُصَابُ بِنَوْبَاتِ الهَوَسِ.

4 ـ اضْطِرَابَاتِ القَلَقِ:
المُصَابُ بِاضْطِرَابَاتِ القَلَقِ سَيَشْعُرُ أَنَّ الأَفْكَارَ عِبَارَةٌ عَنْ وَحْشٍ يُطَارِدُهُ دُونَ تَوَقُّفٍ؛ فَهُوَ دَائِمًا يَشْعُرُ بِالقَلَقِ وَالخَوْفِ المُبَالَغِ فِيهِ دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ، أَوْ لِأَسْبَابٍ لَا تَسْتَدْعِي كُلَّ هٰذَا القَلَقِ، مِثْلَ الخَوْفِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ، وَيَتَوَقَّعُ دَائِمًا أَنَّ الأَسْوَأَ سَيَحْدُثُ، وَتُرَاوِدُهُ الأَفْكَارُ الِانْتِحَارِيَّةُ كَرَغْبَةٍ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ كُلِّ هٰذَا.
 
اضْطِرَابَاتُ القَلَقِ تُصَاحِبُهَا أَعْرَاضٌ أُخْرَى جَسَدِيَّةٌ، مِثْلَ سُرْعَةِ ضَرَبَاتِ القَلْبِ أَوْ صُعُوبَةِ التَّنَفُّسِ أَوْ تَوَتُّرِ العَضَلَاتِ أَوِ الصُّدَاعِ أَوِ اضْطِرَابَاتِ الجِهَازِ الهَضْمِيِّ.
 
5 ـ الإِدْمَانِ:
يَعْتَقِدُ النَّاسُ أَنَّ الإِدْمَانَ مُجَرَّدُ حَالَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ التَّعَوُّدِ أَوِ الِاعْتِمَادِيَّةِ، وَلٰكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّ الإِدْمَانَ يُصَنَّفُ كَمَرَضٍ نَفْسِيٍّ، بَعْدَ أَنْ وَجَدَتِ الدِّرَاسَاتُ مَرَاكِزَ فِي المُخِّ مَسْؤُولَةً عَنِ الإِصَابَةِ بِالإِدْمَانِ أَوْ هٰذِهِ الحَالَةِ مِنَ الِاعْتِمَادِيَّةِ الشَّدِيدَةِ...
 
6 ـ التَّبَلُّدِ العَاطِفِيِّ وَعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى التَّفَاعُلِ مَعَ الأَحْدَاثِ حَوْلَهُ، وَقَدْ يَكُونُ مُرْتَبِطًا بِاضْطِرَابَاتٍ نَفْسِيَّةٍ أَوْ ضُغُوطٍ شَدِيدَةٍ...
 
أ ـ الصَّدَمَاتِ العَاطِفِيَّةِ وَخُصُوصًا عِنْدَ المُرَاهِقِينَ
ب ـ الصَّدَمَاتِ العَاطِفِيَّةِ لِلْمُتَزَوِّجِينَ لِغِيَابِ التَّفَاهُمِ وَالِاحْتِرَامِ وَالِاحْتِوَاءِ وَالإِيذَاءِ الجَسَدِيِّ وَالنَّفْسِيِّ وَالِازْدِرَاءِ وَالإِهْمَالِ العَاطِفِيِّ...
 
7 ـ الفُصَامِ أَوِ الشِّيزُوفْرِينِيَا (Schizophrenia)
هُوَ اضْطِرَابٌ عَقْلِيٌّ مُزْمِنٌ وَشَدِيدٌ يُؤَثِّرُ عَلَى طَرِيقَةِ تَفْكِيرِ المَرِيضِ، شُعُورِهِ، وَسُلُوكِهِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ مُنْفَصِلًا عَنِ الوَاقِعِ.
 
يَتَّسِمُ بِأَعْرَاضٍ ذُهَانِيَّةٍ مِثْلَ الهَلْوَسَةِ (سَمَاعُ أَصْوَاتٍ)، وَالتَّوَهُّمِ (مُعْتَقَدَاتٍ خَاطِئَةٍ)، وَاضْطِرَابِ الأَفْكَارِ وَالسُّلُوكِ.
 
أَبْرَزُ المَعْلُومَاتِ عَنِ الفُصَامِ (الشِّيزُوفْرِينِيَا):
مُرَادِفَاتٌ وَمُسَمَّيَاتٌ: يُعْرَفُ بِالفُصَامِ، الشِّيزُوفْرِينِيَا، أَوِ الِانْفِصَامِ (وَهُوَ اضْطِرَابٌ ذُهَانِيٌّ لَا يَعْنِي وُجُودَ شَخْصِيَّتَيْنِ).
 
أَعْرَاضٌ شَائِعَةٌ (أَمْثِلَةٌ):
الهَلْوَسَةُ: رُؤْيَةُ أَوْ سَمَاعُ أَشْيَاءَ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ (مِثْلَ سَمَاعِ أَصْوَاتٍ، تَخَيُّلِ أَشْخَاصٍ).
الأَوْهَامُ: الِاعْتِقَادُ الجَازِمُ بِأُمُورٍ غَيْرِ حَقِيقِيَّةٍ (مِثْلَ الِاعْتِقَادِ بِوُجُودِ مُؤَامَرَةٍ).
سُلُوكٌ غَيْرُ مُنَظَّمٍ: تَفْكِيرٌ مُشَوَّشٌ، كَلَامٌ غَيْرُ مَفْهُومٍ، أَوْ تَصَرُّفَاتٌ غَرِيبَةٌ.
الِانْعِزَالُ: قِلَّةُ التَّعْبِيرِ العَاطِفِيِّ وَضَعْفُ القُدْرَةِ عَلَى التَّفَاعُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
التَّأْثِيرُ: يُعِيقُ المَرَضُ الحَيَاةَ اليَوْمِيَّةَ وَالعَمَلَ وَالتَّعَامُلَ مَعَ الآخَرِينَ.
 
سَادِسًا: أَبْرَزُ الأَسْبَابِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي تَزِيدُ مِنْ هٰذَا الأَلَمِ وَتُؤَدِّي لِلِانْتِحَارِ
 
1 ـ الشُّعُورُ بِأَنَّ الشَّخْصَ عِبْءٌ عَلَى الآخَرِينَ، كَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يُسَبِّبُ الأَذَى أَوِ الإِرْهَاقَ لِمَنْ حَوْلَهُ.
 
2 ـ الإِحْسَاسُ بِالوَحْدَةِ، أَوْ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَفْهَمُهُ أَوْ يَهْتَمُّ لَهُ.
 
3 ـ إِدْمَانُ الأَلْعَابِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ، وَسَلْبُ الإِرَادَةِ.
 
4 ـ التَّنَمُّرُ المَادِّيُّ وَالمَعْنَوِيُّ.
 
5 ـ العُنْفُ الأُسَرِيُّ وَالمُجْتَمَعِيُّ وَالزَّوَاجِيُّ.
 
6 ـ غِيَابُ العَدْلِ وَالرَّحْمَةِ.
 
7 ـ الِاضْطِرَابَاتُ النَّفْسِيَّةُ تُؤَدِّي إِلَى الِانْغِلَاقِ وَالِانْسِحَابِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
8 ـ النَّظْرَةُ السَّلْبِيَّةُ لِلْحَيَاةِ.
 
9 ـ الفَقْدُ يُؤَدِّي لِلْحُزْنِ وَالوَحْدَةِ وَالاكْتِئَابِ.
 
10 ـ التَّعَوُّدُ عَلَى مُشَاهَدَةِ العُنْفِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ.
 
11 ـ الإِهْمَالُ العَاطِفِيُّ.
 
12 ـ العُنْفُ أَوِ الإِسَاءَةُ فِي الطُّفُولَةِ.
 
13 ـ اضْطِرَابَاتُ الهُوِيَّةِ الجِنْسِيَّةِ، فَاخْتِلَالُ الهُوِيَّةِ الجِنْسِيَّةِ وَالمُعَانَاةُ مِنْهَا وَالقِيَامُ بِعَمَلِيَّاتِ التَّحْوِيلِ الجِنْسِيِّ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ تَقَبُّلٍ مُجْتَمَعِيٍّ كَافٍ يُؤَدِّي بِالشَّخْصِ إِلَى العُزْلَةِ وَالتَّفْكِيرِ فِي الِانْتِحَارِ.
 
هٰذِهِ التَّجَارِبُ تَتْرُكُ أَثَرًا نَفْسِيًّا طَوِيلَ الأَمَدِ، يَجْعَلُ الشَّخْصَ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلأَلَمِ الدَّاخِلِيِّ لَاحِقًا، وَأَكْثَرَ ضَعْفًا أَمَامَ فِكْرَةِ الِانْتِحَارِ.
 
عِنْدَمَا يَجْتَمِعُ هٰذَانِ الشُّعُورَانِ، يَشْعُرُ الإِنْسَانُ أَنَّ حَيَاتَهُ لَا تَعْنِي أَحَدًا، وَأَنَّ غِيَابَهُ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ وُجُودِهِ.
 
هٰذِهِ العَوَامِلُ تُشَكِّلُ مَا يُعْرَفُ فِي عِلْمِ النَّفْسِ بِنَظَرِيَّةٍ تَرَى أَنَّ الِانْتِحَارَ لَا يَأْتِي مِنَ الاكْتِئَابِ وَحْدَهُ، بَلْ مِنْ أَلَمٍ دَاخِلِيٍّ حَادٍّ وَانْقِطَاعِ الرَّوَابِطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
أَيْضًا، إِذَا كَانَ الشَّخْصُ يُعَانِي انْدِفَاعِيَّةً شَدِيدَةً أَوْ نَوْبَاتِ غَضَبٍ مُتَكَرِّرَةٍ، فَقَدْ يَتَحَرَّكُ سَرِيعًا مِنْ مُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ إِلَى المُحَاوَلَةِ، خُصُوصًا إِذَا لَمْ يَتَلَقَّ دَعْمًا نَفْسِيًّا صَحِيحًا.
 
سَابِعًا: كَيْفَ نُسَاعِدُ؟
الوِقَايَةُ مِنَ الِانْتِحَارِ لَا تَبْدَأُ فَقَطْ فِي العِيَادَاتِ أَوِ الطَّوَارِئِ، بَلْ فِي البَيْتِ، فِي المَدْرَسَةِ، فِي الحَدِيثِ العَادِيِّ.
 
1 ـ أَهَمُّ خُطْوَةٍ هِيَ أَنْ نَسْمَعَ بِصِدْقٍ، مِنْ دُونِ أَحْكَامٍ.
 
2 ـ أَنْ نَمْنَحَ الشَّخْصَ شُعُورًا بِأَنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ، وَأَنَّ أَلَمَهُ مَفْهُومٌ وَمُعْتَرَفٌ بِهِ.
 
3 ـ كَمَا أَنَّ وُجُودَ خُطَّةٍ يَسِيرَةٍ لِمُوَاجَهَةِ الضُّغُوطِ، مِثْلَ التَّفْكِيرِ المُسْبَقِ فِي خُطُوَاتِ التَّهْدِئَةِ أَوْ طَلَبِ المُسَاعَدَةِ، يُمْكِنُ أَنْ تُنْقِذَ حَيَاةً.
 
4 ـ مُرَاقَبَةُ الأَطْفَالِ وَمُتَابَعَتُهُمْ وَمُرَافَقَتُهُمْ
.
5 ـ عَدَمُ تَرْكِ الأَطْفَالِ فِي غُرَفِهِمْ بِمُفْرَدِهِمْ وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ عَلَيْهِمْ مَعَ أَلْعَابِهِمُ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ.
 
6 ـ نُعْطِي وَقْتًا كَافِيًا وَفُرْصَةً لِلأَطْفَالِ أَنْ يَحْكُوا وَيُعَبِّرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ دُونَ مُقَاطَعَةٍ لِحَدِيثِهِمْ.
حِينَ يَصِلُ الإِنْسَانُ إِلَى مَرْحَلَةٍ لَا يَحْتَمِلُ فِيهَا دَاخِلُهُ شَيْئًا، لَا يَكُونُ بِحَاجَةٍ إِلَى مُحَاضَرَاتٍ أَوْ نَصَائِحَ جَاهِزَةٍ، بَلْ إِلَى مَنْ يُصْغِي بِصِدْقٍ.
فَالِانْتِحَارُ لَا يَدُلُّ دَوْمًا عَلَى ضَعْفٍ، بَلْ كَثِيرًا مَا يَكُونُ صَرْخَةً صَامِتَةً مِنْ شَخْصٍ أَنْهَكَهُ الأَلَمُ، وَتَحَمَّلَ بِصَمْتٍ أَكْثَرَ مِمَّا يُحْتَمَلُ. مَسْؤُولِيَّتُنَا أَفْرَادًا وَمُجْتَمَعًا أَنْ نَصْنَعَ بِيئَةً آمِنَةً تَسْمَحُ بِالكَلَامِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ الصَّمْتُ إِلَى قَرَارٍ، وَأَنْ نُشَرِّعَ أَبْوَابَ الحَدِيثِ عَنِ الأَلَمِ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ الِانْتِحَارُ احْتِمَالًا حَقِيقِيًّا. فَفِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ تَكُونُ كَلِمَةُ تَعَاطُفٍ وَاحِدَةٌ هِيَ الفَاصِلَ بَيْنَ حَيَاةٍ وَمَوْتٍ.
 
ثَامِنًا: الِانْتِحَارُ مِنْ مَنْظُورِ عِلْمِ النَّفْسِ الِاجْتِمَاعِيِّ
الِانْتِحَارُ فِي المَنْظُورِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ فَالمُجْتَمَعُ لَهُ دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي تَشْكِيلِ حَالَةِ الإِنْسَانِ. فَالعُزْلَةُ، وَالتَّنَمُّرُ، وَالضُّغُوطُ الِاقْتِصَادِيَّةُ، وَتَفَكُّكُ العَلَاقَاتِ، كُلُّهَا عَوَامِلُ قَدْ تَدْفَعُ الإِنْسَانَ نَحْوَ اليَأْسِ.
 
أ ـ تَعْرِيفُ الِانْتِحَارِ مِنْ مَنْظُورِ عِلْمِ النَّفْسِ الِاجْتِمَاعِيِّ
1 ـ هُوَ صَرْخَةُ يَأْسٍ.
 
2 ـ انْعِدَامُ الوَازِعِ الرُّوحِيِّ.
 
3 ـ هُوَ ظَاهِرَةٌ نَاتِجَةٌ عَنْ خَلَلٍ فِي تَفَاعُلِ الفَرْدِ مَعَ بِيئَتِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ اضْطِرَابٍ نَفْسِيٍّ فَرْدِيٍّ. يُرَكِّزُ هٰذَا المَنْظُورُ عَلَى عَوَامِلَ مِثْلَ العُزْلَةِ، ضَعْفِ الرَّوَابِطِ الأُسَرِيَّةِ وَالتَّفَكُّكِ الأُسَرِيِّ، وَالضُّغُوطِ الِاقْتِصَادِيَّةِ كَأَسْبَابٍ رَئِيسِيَّةٍ. يُنْظَرُ إِلَيْهِ كَـ «صَرْخَةِ يَأْسٍ» تَعْكِسُ تَصَدُّعَ المَعْنَى الجَمَاعِيِّ وَالِانْدِمَاجِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
 
وَلِذٰلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ المُجْتَمَعُ مَكَانًا لِلدَّعْمِ لَا لِلإِدَانَةِ، وَلِلرَّحْمَةِ لَا لِلقَسْوَةِ
 
تَاسِعًا: الِانْتِحَارُ نَتِيجَةُ تَفَاعُلٍ بَيْنَ الفَرْدِ وَبِيئَتِهِ، وَمِنْ أَبْرَزِ أَسْبَابِهِ:
1 ـ التَّفَكُّكُ الأُسَرِيُّ، وَالعُنْفُ الجَسَدِيُّ وَالمَعْنَوِيُّ وَاللَّفْظِيُّ، وَعَدَمُ التَّقْدِيرِ...
 
2 ـ العُزْلَةُ وَالِانْسِحَابُ الِاجْتِمَاعِيُّ...
 
3 ـ ضُغُوطُ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ مِثْلُ الأَزَمَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالضَّائِقَةِ المَالِيَّةِ؛ الفَقْرُ وَالمَشَاكِلُ المَالِيَّةُ وَالعَوَزُ وَالِاحْتِيَاجُ وَكَسْرُ النَّفْسِ...
 
4 ـ الأَزَمَاتُ الصِّحِّيَّةُ وَالأَمْرَاضُ الجَسَدِيَّةُ...
 
5 ـ النَّفْسِيَّةُ: الحُزْنُ وَالاكْتِئَابُ...
 
6 ـ الضُّغُوطُ المُجْتَمَعِيَّةُ: الِاضْطِهَادَاتُ وَالتَّنَمُّرُ وَالتَّحَرُّشُ.
..
عَاشِرًا: الوِقَايَةُ مِنْ مَنْظُورٍ اجْتِمَاعِيٍّ:
1 ـ تَعْزِيزُ الرَّوَابِطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالِانْدِمَاجِ.
 
2 ـ دَعْمُ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ وَالدَّعْمِ النَّفْسِيِّ الِاجْتِمَاعِيِّ.
 
3 ـ الدَّمْجُ وَعَدَمُ العُزْلَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالوَحْدَةِ.
 
حَادِي عَشَرَ: الِانْتِحَارُ فِي المَنْظُورِ الرُّوحِيِّ:
1 ـ ضَعْفُ الرُّوحِيَّاتِ بِعَدَمِ الصَّلَاةِ...
 
2 ـ عَدَمُ القِرَاءَةِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ...
 
3 ـ غِيَابُ الإِرْشَادِ الرُّوحِيِّ وَالنَّفْسِيِّ...
 
4 ـ عَدَمُ الِاعْتِرَافِ...
 
5 ـ عَدَمُ مُمَارَسَةِ الأَسْرَارِ الكَنَسِيَّةِ بِعُمْقٍ وَفَهْمٍ وَوَعْيٍ...
 
6 ـ غِيَابُ العَدْلِ وَالرَّحْمَةِ...
 
7 ـ النَّظْرَةُ السَّلْبِيَّةُ لِلْحَيَاةِ...
 
8 ـ قِلَّةُ أَوْ غِيَابُ الِافْتِقَادِ وَالزِّيَارَاتِ وَالمُتَابَعَةِ مِنْ قِبَلِ الرَّاعِي أَوِ الأَشْخَاصِ أَوِ الرَّاعِيَةِ...
 
وَهُوَ مَا يُوصَفُ بِـ «صَرْخَةِ يَأْسٍ» تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَسْمَعُهَا.
 
ثَانِي عَشَرَ: عَلَامَاتُ الخَطَرِ
مِنْ أَهَمِّ المُؤَشِّرَاتِ:
1 ـ التَّحَدُّثُ عَنِ المَوْتِ
.
2 ـ العُزْلَةُ وَالِانْسِحَابُ.
 
3 ـ اليَأْسُ وَتَقَلُّبُ المِزَاجِ.
 
4 ـ تَغْيِيرُ السُّلُوكِ ـ تَوْدِيعُ الآخَرِينَ.
 
ثَالِثَ عَشَرَ: الوِقَايَةُ وَالدَّوْرُ الرَّعَوِيُّ
الوِقَايَةُ تَبْدَأُ بِالأُمُورِ البَسِيطَةِ كَالِاسْتِمَاعِ بِمَحَبَّةٍ دُونَ إِدَانَةٍ ـ تَقْدِيمُ الدَّعْمِ النَّفْسِيِّ وَالرُّوحِيِّ ـ اللُّجُوءُ إِلَى المُخْتَصِّينَ.
 
وَيَقُولُ الرَّبُّ:
 
«تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ المُتْعَبِينَ… وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (مَتَّى 11: 28)
 
«كُلُّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ» (رُومِيَة 8: 28)
 
رَابِعَ عَشَرَ: رِسَالَةُ رَجَاءٍ
الإِنْسَانُ الَّذِي يُفَكِّرُ فِي الِانْتِحَارِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِدَانَةٍ، بَلْ إِلَى قَلْبٍ يَفْهَمُهُ.
 
هُوَ لَا يَبْحَثُ عَنِ النِّهَايَةِ، بَلْ عَنْ رَاحَةٍ مِنَ الأَلَمِ. فَلْنَكُنْ: أُذُنًا تَسْمَعُ، وَقَلْبًا يُحِبُّ، وَيَدًا تُسَانِدُ، فَرُبَّمَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُنْقِذُ حَيَاةً.
 
خَاتِمَةٌ
الِانْتِحَارُ لَيْسَ حَلًّا، بَلْ صَرْخَةُ أَلَمٍ تَحْتَاجُ إِلَى رَحْمَةٍ وَاحْتِوَاءٍ.
وَمَهْمَا اشْتَدَّتِ الظُّلْمَةُ، فَهُنَاكَ نُورٌ لَا يَنْطَفِئُ فِي حُضُورِ اللهِ: «لَا أُهْمِلُكَ وَلَا أَتْرُكُكَ» (عِبْرَانِيِّينَ 13: 5).