(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
مُقدّمة
لقد مرّت أعوامٌ تسعة على زيارة البابا فرنسيس لبلدنا الحبيب "مِصْر". فلعلّنا جميعًا نتذكّر زيارته الرسوليّة، التي تمّت ما بين الـ28 والـ29 من شهر أبريل/نيسان لعام 2017.
وقد تضمّنت زيارةُ البابا لمِصْرَ بدورها عدّة أحداث ولقاءات ومحاور؛ ونذكر منها –وفقًا لترتيب الزيارة الزمنيّ– ما يلي: الاستقبال الرسميّ للبابا من قِبَل السلطات المدنيّة؛ وكلمة البابا للمشاركين في المؤتمر العالميّ للسلام، بمركز مؤتمرات جامعة الأزهر؛ وزيارة قداسة البابا فرنسيس لقداسة البابا تواضروس الثاني؛ ولقاء البابا مع الكهنة والمكرّسين والمكرّسات بإكليريكيّة الأقباط الكاثوليك بالمعادي.
لا شكَّ أنّ زيارة البابا فرنسيس لبلدنا المبارك مِصْرَ، تُعَدُّ تاريخيّةً على مستويات عدّة، فهي واحدةٌ من مجموعة الـ47 زيارة رسوليّة التي قام بها البابا حول العالم، على مدار حبريّته التي دامت طيلة أكثر من 12 عامًا (مارس/آذار 2013- أبريل/نيسان 2025). وهي أيضًا الزيارة الثانية لحَبرٍ من أحبار الكنيسة الكاثوليكيّة لأرضنا المقدّسة مِصْر، في العصر الحديث، بعد الزيارة الرسوليّة الأُولى للمتنيّح البابا يوحنّا بولس الثاني، أوّل بابا يزور بلدنا الحبيب مِصْرَ في عام 2000.
في هذا العام الجاري (2026)، إذًا، تمرّ هذه الذكرى التاسعة الجميلة والخالدة. وكما ذكرتُ سابقًا، قد تضمّنت هذه الزيارةُ التاريخيّة للبابا فرنسيس لمِصْر، عدّة أحداث ولقاءات ومحاور؛ وسأتناول بعضها على سبيل التذكير، وبنوعٍ من التساؤل العالق ما بين الذكرى والتناسي أيضًا.
أوّلًا: الاستقبالُ الرسميّ للبابا فرنسيس واللقاء مع السلطات المدنيّة
في مضمار الاستقبال الرسميّ للبابا فرنسيس من قِبَل السلطات المدنيّة، بقاعة المؤتمرات بأوتيل ألماسة، في الـ28 من أبريل/نيسان لعام 2017، قد أوضح البابا: «إن مصير مِصرَ هذا وواجبها هما اللذان قد دفعا الشعب لأن يلتمس بلدًا لا ينقص فيها الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية. إن هذه الغاية ستكون بكل تأكيد واقعًا ملموسًا إذ وحّد الجميع إرادتهم، على قلب رجل واحد، في تحويل الكلمات إلى أفعال، والرغبات المشروعة إلى التزام، والقوانين المكتوبة إلى قوانين مُطَبَّقة، مستغلين في ذلك العبقرية الفطرية لهذا الشعب. لدى مصر، إذا، واجب فريد: واجب تقوية وتعزيز السلام في المنطقة أيضًا، برغم من كونها جريحة، فوق أرضها، نتيجة للعنف الأعمى. مثل هذه الأعمال تسببت، عن غير حق، في آلام للعديد من الأسر –وبعضها حاضر هنا اليوم– التي تبكي موت أبنائها وبناتها».
ثانيًا: كلمةُ البابا فرنسيس للمشاركين في المؤتمر العالميّ للسلام، بمركز مؤتمرات جامعة الأزهر
في كلمة البابا فرنسيس للمشاركين في المؤتمر العالميّ للسلام، بمركز مؤتمرات جامعة الأزهر، في الـ28 من أبريل/نيسان لعام 2017، قد صرّح بما يلي: «أشكرُ أخي، الإمامَ الأكبرَ، على عقد هذا المؤتمر وتنظيمه، وعلى دَعوَتِه الكريمةِ لي [...] إننا مدعوّون دومًا، في مجالِ الحوارِ بالتحديد، ولا سيّما الدينيّ منه، إلى السيرِ معًا، مؤمنينَ أن مستقبلَ الجميع يتعلّقُ أيضًا باللقاءِ ما بين الأديان والثقافات. ومِن هذا المُنطَلَق، يقدّم لنا عملُ اللجنة المشتركة للحوار بين المجلس الحبري للحوار بين الأديان ولجنة الأزهر للحوار مثلًا ملموسًا ومشجّعًا. وباستطاعةِ ثلاثةِ توجّهات أساسيّة، إذا ما تمّ تنسيقُها بطريقةٍ جيّدة، أن تساعدَ في الحوار: ضرورة الهويّة، وشجاعة الاختلاف، وصدق النوايا. ضرورةُ الهويّة، لأنّه لا يمكنُ تأسيس حوار حقيقيّ على الغموضِ أو على التضحية بما هو صالح، من أجلِ إرضاء الآخر؛ شجاعةُ الاختلاف، لأنّه لا ينبغي أن أعاملَ مَن هو مختلفٌ عنّي، ثقافيًّا أو دينيًّا، كعدوّ، بل أن أقبلَه كرفيقِ درب، باقتناعٍ حقيقيّ أن خير كلّ فردٍ يكمنُ في خيرِ الجميع؛ صدقُ النوايا، لأنّ الحوار، كونه تعبيرًا أصيلًا للإنسان، ليس استراتيجيّةً لتحقيق غايات ثانوية، إنما مسيرةَ حقٍّ تستحقّ أن نتبناها بصبرٍ كي تحوّل المنافسة إلى تعاون».
لقد جمعتْ بين البابا فرنسيس والإمام الأكبر أحمد الطّيب علاقةٌ أخويّة منفتحة، لم يسبق لها نظير بين حَبرٍ من أحبار الكنيسة الكاثوليكيّة وأحدٍ من شيوخ الأزهَر الشّريف. وقد أشار البابا فرنسيس، في رسالته العامّة "جميعنا إخوة" (3 أكتوبر 2020)، صراحةً وعدّة مرات (راجع البنود 5، 29، 131، 136، 192، 275، 283، 285)، إلى شيخ الأزهَر أحمد الطيب و«وثيقة "الأخوّة الإنسانيّة" من أجل السّلام العالمي والعيش المشترك»، التي وقّع عليها قداسة البابا فرنسيس وشيخ الأزهَر أحمد الطيب، بالعاصمة الإماراتيّة أبوظبي (فبراير 2019). وبالإضافة إلى الحديث المستمرّ والمشترك عن مَعنى "الأخوّة" كما جاء في وثيقة أبوظبي، ينعت البابا الكاثوليكيّ لقاءه بالإمام المسلم بـ"اللقاء الأخويّ"، والذي يتذكّره بفرحٍ (راجع بند 285). وليس هذا فحسب، بل يقول قداسة البابا: «الذي شجّعني بشكل خاص في كتابة هذه الرسالة، إنما هو شخص الإمام أحمد الطيب الذي التقيت به في أبو ظبي» (بند 5).
ولنتساءل انطلاقًا من هذا كلّه: هل، في مِصْرنا المعاصرة، ثمَّة لقاءٌ حقيقيّ ما بين الأديان والثقافات؟ وهل الأجيال الحالية –من المسيحيّين والمسلمين– تنطبق عليهم كلماتُ البابا فرنسيس: «لا ينبغي أن أعاملَ مَن هو مختلفٌ عنّي، ثقافيًّا أو دينيًّا، كعدوّ، بل أن أقبلَه كرفيقِ درب، باقتناعٍ حقيقيّ أن خير كلّ فردٍ يكمنُ في خيرِ الجميع»؟ وأين العلاقة الأخويّة المنفتحة والشاملة التي سعت إليها «وثيقة "الأخوّة الإنسانيّة"»؟ وهل، عند نياحة البابا فرنسيس،كانت كافيةً "كلمات التعازي" (من دون "الترحُّم" على البابا المتنيّح) إزاء غياب وفقدان مَن عُدَّ ضميرَ البشريّة في العديد من القضايا التاريخيّة والعالميّة والدينيّة المعاصرة؟ وأين نحن من صدى ووقع هذه الكلمات الجميلة التالية البابا فرنسيس، في رسالته العامّة "جميعنا إخوة"، بند 136؟:
«مع فضيلة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، الدكتور أحمد الطيب، وسّعنا أفق نظرنا، وذكّرنا "أنَّ العلاقةَ بينَ الشَّرْقِ والغَرْبِ هي ضَرُورةٌ قُصوَى لكِلَيْهما، لا يُمكِنُ الاستعاضةُ عنها أو تَجاهُلُها، ليَغتَنِيَ كلاهما من الحَضارةِ الأُخرى عَبْرَ التَّبادُلِ وحوارِ الثقافاتِ؛ فبإمكانِ الغَرْبِ أن يَجِدَ في حَضارةِ الشرقِ ما يُعالِجُ به بعضَ أمراضِه الرُّوحيَّةِ والدِّينيَّةِ التي نتَجَتْ عن طُغيانِ الجانبِ الماديِّ، كما بإمكانِ الشرق أن يَجِدَ في حضارةِ الغربِ كثيرًا ممَّا يُساعِدُ على انتِشالِه من حالاتِ الضعفِ والفُرقةِ والصِّراعِ والتَّراجُعِ العلميِّ والتقنيِّ والثقافيِّ. ومن المهمِّ التأكيدُ على ضَرُورةِ الانتباهِ للفَوَارقِ الدِّينيَّةِ والثقافيَّةِ والتاريخيَّةِ التي تَدخُلُ عُنْصرًا أساسيًّا في تكوينِ شخصيَّةِ الإنسانِ الشرقيِّ، وثقافتِه وحضارتِه، والتأكيدُ على أهميَّةِ العمَلِ على تَرسِيخِ الحقوقِ الإنسانيَّةِ العامَّةِ المُشترَكةِ، بما يُسهِمُ في ضَمانِ حياةٍ كريمةٍ لجميعِ البَشَرِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ بعيدًا عن سياسةِ الكَيْلِ بمِكيالَيْنِ"»؟
ثالثًا: زيارةُ قداسة البابا فرنسيس لقداسة البابا تواضروس الثاني، والبيان المشترك بينهما
في أجندة زيارة قداسة البابا فرنسيس لقداسة البابا تواضروس الثاني، في الـ28 من أبريل/نيسان لعام 2017، قد وَقّعا كلاهما على بيانٍ مشترك، إذ أُتفِق على ما يلي: «نحن اليوم، البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثاني، لكي نسعد قلب ربنا يسوع، وكذلك قلوب أبنائنا وبناتنا في الإيمان، فإننا نعلن، وبشكل متبادل، بأننا نسعى جاهدين بضمير صالح نحو عدم إعادة سر المعمودية الذي تمَّ منحه في كلٍّ من كنيستينا لأي شخص يريد الانضمام للكنيسة الأخرى. إننا نقرُّ بهذا طاعةً للكتاب المقدس ولإيمان المجامع المسكونية الثلاثة التي عُقدت في نيقية والقسطنطينية وأفسس. نسأل الله الآب أن يقودنا، في الأوقات وبالطرق التي سيختارها الروح القدس، نحو بلوغ الوحدة التامة في جسد المسيح السري».
ومن جهةٍ أخرى، في الـ10 من مايو/أيّار للعام 2023، قد زار الأنبا تواضروس الثاني، بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، أخيه البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكيّة وخليفة القدّيس بطرس. وقد جاء هذا اللقاء التاريخيّ للاحتفال معًا بمرور خمسين عامًا على لقاءٍ تاريخيّ آخر قد جمع بين قداسَة البَابَا بولس السَّادس وقداسَة البَابَا شنودَه الثّالِث في حاضرة الفاتيكان، في يوم الخميس الموافق 10 مايو/أيّار للعام 1973، الذي كان بمثابة أوّل لقاءٍ بين أسقف روما وبطريرك الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة منذ القرن الخامس الميلاديّ، والذي تُوِّج بدوره بالتّوقيع على "بيان مشترك" حول أمور كنسيّة وتعليميّة وعقائديّة هامّة (كـ"الإعلان-الاتفاق الكريستولوجيّ المشترك"). وكذلك أيضًا لتذكُّر عشرة أعوام على اللقاء بين قداسة البابا فرنسيس وقداسة البابا تواضروس الثّاني، في حاضرة الفاتيكان أيضًا، في يوم الجمعة الموافق 10 مايو/أيّار للعام 2013، وقد جاء بعد أشهر قليلة من انتخابهما كقائدَين لكنيستَيهما، مُذكِّرًا بخمسينيّة اللّقاء التّاريخيّ الأوّل المذكور أعلاه.
ولقد تمَّ هذا اللقاءُ الأخير ذو الذكرى المزدوجة في ساحة القدّيس بطرس، في يوم الأربعاء الموافق 10 مايو/أيّار للعام 2023، يوم الاحتفال بـ"يوم الصّداقة" بين الكنيستَين القِبطيّة الأرثوذكسيّة والكَاثوليكيّة بجميع مكوّناتها. وخاطب البابا تواضروس الثّاني أخيه خليفة القدّيس بطرس والشّعب المسيحيّ بكلمات عميقة متعلّقة بالتّعاليم المسيحيّة الأصيلة، وعراقة وتاريخيّة العلاقات بين الكنيستَين؛ وقام البابا فرنسيس بدوره بإلقاء كلمات أخرى عميقة للتعليق على كلمات أخيه خليفة القدّيس مرقس. وقد لاحظ الجميعُ التناغم والتوافق الشديدين بين شخصيّتهما وفكرهما وحديثهما.
ولكن، وعلى نحوٍ آخر، راح بعضهمُ (من الكَاثوليك والأرثوذكس، ومن الإكليروس وشعب المؤمنين، ومن المتخصّصين وغير المتخصّصين) يشكّون ويشكّكون في أهمّيّة هذا اللقاء التاريخيّ وفاعليّته وجَدْواه. وأقلّ ما قِيل عنه آنذاك من لدن المشكّكين، هو أنّه زيارةٌ عقيمة وغير مجدية. فهل، يا تُرى، الأيّام اللاحقة لنياحة البابا فرنسيس، ولا سيّما يوم جنازته المَهِيبة، وكذلك أيّامنا الحالية، قد فتَحت البابَ على مِصْراعيه للشاكّين والمُشكّكين؟ وأين قبول "تَحَدِّي المحبّة" والشهادة لها؟ وأين العالم المسيحيّ الأكثر إنسانيّة ومسيحيّة وروحانيّة في أيّامنا؟
رابعًا: لقاءُ البابا فرنسيس مع الكهنة والمكرّسين والمكرّسات بإكليريكيّة المعادي
في اللقاء مع الكهنة والمكرّسين والمكرّسات بإكليريكيّة الأقباط الكاثوليك بالمعادي، في الـ29 من أبريل/نيسان لعام 2017، سلّطَ البابا فرنسيس الضوءَ على بضعة تجارب يواجهها الشخص المكرّس: تجربة الانجراف مع التيار وليس القيادة؛ تجربة التذمّر الدائم؛ تجربة الثرثرة والحسد؛ تجربة مقارنة النفس بالآخرين؛ تجربة "التفرعن" (نسبةً إلى الفراعنة)؛ تجربة الفردانيّة؛ تجربة السير بلا بوصلة وبلا هدف. وقد خَتَمَ البابا هذه التّجارب كلّها بربطه بين
حياة التّكريس والحياة الرّوحيّة:
«أيها الكهنة والمكرّسون الأعزاء، ليس من السهل مقاومة هذه التجارب، ولكنه ممكن إذا كنا ثابتين في المسيح: "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ" (يو 15، 4). كلّما كنّا متجذّرين في المسيح، كلّما أصبحنا أكثر حياة وأكثر خصوبة! هكذا فقط يمكن للمكرّس أن يحافظ على الاندهاش، وشغف اللقاء الأول، والانجذاب والامتنان في حياته وفي رسالته. فعلى نوعيّة حياتنا الروحية تتوقّف نوعية حياتنا المكرّسة!».
فأين نحن اليوم أمام هذه التجارب البغيضة كلّها، البعيدة تمامًّا عن روح إنجيل يسوع المسيح؟ وما هو موقفنا العمليّ والملموس منها؟
خُلاصة
إنّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرَح بصدقٍ وواقعيّة، ولا سيّما بعد عامٍ من نياحة البابا المجاهد–بفضل النعمة– والشاهد الأمين فرنسيس، هو التالي: بعد أعوام تسعة على زيارته الرسوليّة لبلدنا الحبيب مِصْرَ، ماذا تغيّر إيجابيًّا على أرض الواقع المصريّ والدينيّ والطائفيّ والكنسيّ والرهبانيّ والإكليروسانيّ؟ وهل من جديدٍ عمليًّا؟ وهل ثمَّة رجاءٌ في تغييرٍ حقيقيّ في القلوب والعقول والضمائر؟





