وجهة نظر: عزت بولس
أقف اليوم أمام المشهد الإيراني في حالة من الانقسام الذهني؛ حالة تجمع بين "الإعجاب" المهني بصلابة المفاوض الإيراني، وبين "الخوف" الإنساني الصادق على شعب يدفع ضريبة هذا العناد من دمه وقوته اليومي.
من الناحية السياسية، لا يملك أي مراقب إلا أن يتوقف أمام الإصرار الإيراني العجيب. نحن أمام مدرسة في "التفاوض على حافة الهاوية"، حيث تتقن طهران فن اللعب بالوقت وتحويل الضغوط القصوى إلى أوراق مساومة. هذا الإصرار الذي يجعل المفاوض الإيراني يجلس على الطاولة وبيده أوراق محترقة، ومع ذلك يوحي للجميع بأنه يملك مفاتيح الحل والربط، هو نوع من "الدهاء السياسي" الذي يفرض الاحترام كأداء تكتيكي صرف.
ولكن، هنا ينتهي الإعجاب ليبدأ الخوف.
فخلف قاعات التفاوض المكيفة وتصريحات التحدي، هناك شعب إيراني يئن تحت وطأة حصار لا يرحم. وهنا أسأل بصوت عالٍ: ما قيمة "الانتصار" السياسي إذا كان ثمنه طوابير الخبز ونزيف العملة الوطنية؟ وما جدوى "الأنفة" الدبلوماسية إذا تحولت إلى "عناد" يغلق كل نوافذ الأمل أمام أجيال من الشباب الإيراني الطامح للحياة؟
إن الخوف الحقيقي ليس من "المواجهة الكبرى" فحسب، بل من هذا الإصرار الذي قد يتحول إلى "انتحار سياسي" جماعي. فبينما يصر المفاوض على التمسك بآخر خيط في اللعبة، يتقطع في المقابل نسيج الحياة اليومية للمواطن البسيط.
ومع كامل تقديري واعتزازي بكل وجهات النظر التي ترفع شعارات "الصمود"، إلا أنني أرى أن البطولة الحقيقية في السياسة هي "فن الممكن" الذي يحمي الشعوب، لا "فن العناد" الذي يتركها في مهب الريح. إن التاريخ سيسجل دهاء المفاوض، لكنه سيحاسب أيضاً من قدم المصالح الأيديولوجية على حساب أوجاع البشر.






