الكاردينال بيتسابالا في رسالته الراعوية: كنيسة القدس مدينة مفتوحة ترفض الجدران وخوارزميات القتل
محرر الأقباط متحدون
تحت عنوانٍ مستلهمٍ من إنجيل لوقا البشير: "رَجَعُوا إِلى أُورَشَلِيمٍ وهُم في فَرَحٍ عَظِيم"، أطلق غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، رسالةً راعويةً شاملة، تُعدُّ الأبرز والأكثر عمقاً في مسيرته منذ اندلاع الصراع الأخير. ولا تقتصر هذه الرسالة، التي تنقسم إلى ثلاثة أجزاء جوهرية، على تقديم مؤاساة روحية للمؤمنين فحسب، بل تطرحُ رؤيةً نقدية ثاقبة لواقع النظام العالمي، وترسمُ ملامح استراتيجية كنسية لمواجهة الكراهية المتجذرة في الأرض المقدسة.
 
وفي استهلالٍ تشخيصي جريء، اعتبر الكاردينال بيتسابالا أن أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من حرب طاحنة لم تكن مجرد حلقةٍ إضافية في مسلسل العنف، بل مثّلت "زلزالاً" عنيفاً هزّ أركان الوجود الإنساني في المنطقة. وأشار غبطته إلى أن ما يشهده الإقليم اليوم هو بمثابة "انكشاف للأقنعة" عن نظامٍ دوليٍ أخفق في حماية الإنسان وصون كرامته، بعد أن سادت "نزعة عبادة القوة" كبديلٍ عقيمٍ عن لغة الحوار. كما دقَّ الكاردينال ناقوس الخطر حيال ظاهرةٍ مفصلية برزت في هذا الصراع، وهي توظيف "الذكاء الاصطناعي" في العمليات الحربية؛ الأمر الذي أدى بمرارة إلى "تجريد الحرب من إنسانيتها". فباتت قرارات الفتك تُتخذ عبر خوارزمياتٍ صمّاء، تفتقر إلى أدنى وازعٍ أخلاقي أو ضميرٍ بشري، وهو ما وصفه غبطته بـانهيار قيميٍّ حضاري بات يهدد مستقبل البشرية برمتها.
 
وفي الشق الثاني من الرسالة، ولج الكاردينال بيتسابالا إلى العمق اللاهوتي لمدينة القدس، في محاولةٍ لانتشال مفهوم "أورشليم" من مضايق النزاعات السياسية، والسموّ به إلى رحاب "الرؤية الروحية". إذ دعا غبطته لأن تظل كنيسة القدس "مدينةً مفتوحةً" تتجاوز عقلية الجدران والأسوار، سواء أكانت ماديةً عيانية أم نفسيةً مستترة. وفي هذا الصدد، شدد بطريرك القدس للاتين على أن الكنيسة في الأرض المقدسة، ومع فخرها العميق بجذورها العربية الضاربة في التاريخ، تضطلع برسالة "جامعة" تجعلها أماً لجميع الشعوب والألسن، ومؤتمنةً على رفض أي خطاب إقصائي أو عنصري. كما أكد نيافته أن السلام الحقيقي لا يبدأ بالاتفاقات السياسية فحسب، بل بـ "تنقية الذاكرة" من رواسب الكراهية والروايات التي تهدف إلى إلغاء الآخر، داعياً المؤمنين لأن يكونوا حراساً للرواية الإنسانية التي تحتضن ألم الجميع دون استثناء.
 
أما في الجزء الثالث، والأكثر ملامسةً للواقع المعيشي وتحدياته الميدانية، فقد وجّه الكاردينال بيتسابالا تحية إجلال مفعمة بالمؤاساة لرعية غزة التي تكابد "جلجلة العصر"، معتبراً صمودها شهادةً حيةً لصلابة الإيمان. وفي استشرافه لمسارات العمل في المرحلة المقبلة، ركز نيافته على محورية دور المدارس المسيحية بوصفها "مساحات مقدسة" يُحظر فيها خطاب الكراهية، وتُشاد فوق أرضيتها جسور الثقة بين الأجيال الشابة على اختلاف خلفياتهم. كما دعا الإكليروس والمربين إلى وقفة "فحص ضمير" عميقة، محذراً من منزلقات الخطاب الديني نحو العنف أو مسوّغات القتل، مؤكداً بعبارة حازمة أن "الكذب هو الأداة الأولى للحرب". وختم غبطته بالتأكيد على أن الحوار في الأرض المقدسة ليس مجرد "خيار دبلوماسي" تكتيكي، بل هو "مصير وجودي" حتمي؛ فنحن "نتقاسم الهواء ذاته، والأرض ذاتها، والآلام ذاتها"، ومن هنا تصبح الشهادة للمسيح هي القدرة الفائقة على مدّ الجسور في زمنٍ ينهمك فيه الجميع في بناء الجدران.
 
واختتم غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا رسالته بنداءٍ مفعمٍ بالرجاء، دعا فيه إلى "الفرح الإنجيلي"؛ ذلك الفرح الذي لا يستقي قوّته من استقرارٍ سياسيّ أو رفاهٍ ماديّ، بل ينبثقُ من اليقين الراسخ بقيامة المسيح. وأكد بطريرك القدس للاتين أن العودة إلى "أورشليم" الروحية هي دعوةٌ ملحّة لكلِّ مؤمنٍ لنبذ الاستسلام لليأس، وليظلَّ سراجاً وهاجاً يتبدّدُ به ظلام هذا الليل الطويل.