الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طوس
 
لِأَنَّ فِي كُلِّ فِرَاقٍ مَوْتًا صَغِيرًا،
 
وَفِي كُلِّ رَحِيلٍ انْتِزَاعًا لِجُزْءٍ مِنَ الرُّوحِ،
 
وَفِي الغُرْبَةِ صَمْتًا يَأْكُلُ الأَصْوَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَمْلَأُ القَلْبَ حَيَاةً.
نَرْحَلُ فَنَتْرُكُ أَمَاكِنَ سَكَنَتْنَا قَبْلَ أَنْ نَسْكُنَهَا،
 
وَنُفَارِقُ وُجُوهًا كَانَتْ لَنَا وَطَنًا،
 
فَنَكْتَشِفُ أَنَّ البُعْدَ لَيْسَ مَسَافَةً، بَلْ حَالَةُ فُقْدٍ تَسْكُنُنَا.
وَلَكِنَّهُ مَوْتٌ لَا يَنْهِي الحَيَاةَ،
 
بَلْ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نَعِيشُ بِقُلُوبٍ مَكْسُورَةٍ وَمَازِلْنَا نَبْتَسِمُ،
 
وَكَيْفَ نُكْمِلُ الطَّرِيقَ وَنَحْمِلُ فِي دَاخِلِنَا مَا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ.
فَالمَوْتُ لَيْسَ دَائِمًا نِهَايَةَ الجَسَدِ،
 
بَلْ قَدْ يَكُونُ لَحْظَةَ فِرَاقٍ،
 
أَوْ ذِكْرَى لَا تَعُودُ،
 
أَوْ شَخْصًا بَقِيَ حَيًّا… لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ مَعَنَا.
 
الحَيَاةُ لَيْسَتْ طَوِيلَةً بِمَا يَكْفِي لِنَفْهَمَ كُلَّ شَيْءٍ،
 
لَكِنَّهَا قَصِيرَةٌ بِمَا يَكْفِي لِنَفْقِدَ فَجْأَةً مَنْ لَا نَتَوَقَّعُ غِيَابَهُمْ.
 
نَمْشِي بِثِقَةٍ أَحْيَانًا، نُخَطِّطُ، نُؤَجِّلُ اللِّقَاءَ، وَنُؤْمِنُ أَنَّ الوَقْتَ مَعَنَا...
لَكِنْ لَا أَحَدَ يُخْبِرُنَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُؤَقَّتٌ،
 
أَنَّ الضَّحِكَاتِ تَخْتَفِي فَجْأَةً، وَالأَصْوَاتِ تُصْبِحُ ذِكْرَى،
 
وَأَنَّ مَنْ كَانُوا قَلْبَنَا، قَدْ يُصْبِحُونَ مُجَرَّدَ صُوَرٍ فِي الذَّاكِرَةِ.
 
  أَخَافُ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ أَسْتَيْقِظُ فِيهِ عَلَى صَمْتٍ لَمْ أَعْتَدْهُ،
 
عَلَى مَكَانٍ فَارِغٍ فِي قَلْبِي لَا يَمْلَؤُهُ سِوَاهُمْ.
 
أَخَافُ أَنْ أَفْقِدَ دُونَ وَدَاعٍ،
 
وَأَنْ تَبْقَى كَلِمَةُ «كُنْتُ أَتَمَنَّى» تُؤَرِّقُنِي.
 
لِذَلِكَ، لَا أَتَرَدَّدُ أَنْ أَقُولَ لِمَنْ أُحِبُّ:
أَنَا مُمتَنٌّ لِوُجُودِكَ، وَخَائِفٌ مِنْ فِكْرَةِ غِيَابِكَ.
اِبْقَ هُنَا... 
أُرِيدُ أَنْ أَقْضِيَ أَطْوَلَ فَتْرَةٍ مُمْكِنَةٍ مَعَ مَنْ أُحِبُّهُمْ،
 
فَأَنَا أَشْتَاقُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ مَعِي.
 
  وَعِنْدَمَا نَفْتَرِقُ قَلِيلًا، لِيَذْهَبَ كُلٌّ مِنَّا إِلَى حَيَاتِهِ وَعَمَلِهِ،
 
لِتَأْدِيَةِ مَسْؤُولِيَّاتِنَا وَإِتْمَامِ وَاجِبَاتِنَا،
 
فَلْيَعْلَمْ جَمِيعُ الأَحِبَّاءِ
 
أَنَّ حُضُورَهُمْ وَحْدَهُ يُطَمْئِنُنِي.
 
لَاهُوتِيًّا وَرُوحِيًّا:
  تَأْخُذُ هَذِهِ الخِبْرَاتُ بُعْدًا أَعْمَقَ، فَالإِنْسَانُ خُلِقَ لِلشَّرِكَةِ، لَا لِلْعُزْلَةِ؛ خُلِقَ لِلْقُرْبِ، لَا لِلْفِرَاقِ.
 
وَمِنْ هُنَا يَصِيرُ الفِرَاقُ جُرْحًا، لِأَنَّهُ يَمَسُّ صُورَةَ اللهِ فِينَا الَّتِي تَشْتَاقُ إِلَى الوَحْدَةِ وَالمَحَبَّةِ.
 
 وَفِي ضَوْءِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، نَجِدُ أَنَّ الإِحْسَاسَ بِالغُرْبَةِ لَيْسَ غَرِيبًا عَنْ خِبْرَةِ الإِنْسَانِ المُؤْمِنِ،
 
إِذْ يَقُولُ: «فَإِنَّنَا لَيْسَ لَنَا هَهُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّنَا نَطْلُبُ العَتِيدَةَ» (عبرانيين 13: 14).
 
  فَالغُرْبَةُ: 
   فَالغُرْبَةُ، مِنْ مَنْظُورٍ رُوحِيٍّ، لَيْسَتْ فَقْطْ أَلَمًا، بَلْ تَذْكِيرٌ بِأَنَّ وَطَنَنَا الحَقِيقِيَّ أَعْمَقُ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ أَرْضِيٍّ.
وَإِذَا كَانَ الفِرَاقُ يُشْبِهُ المَوْتَ، فَإِنَّ المَسِيحَ نَفْسَهُ قَدْ دَخَلَ إِلَى هَذِهِ الخِبْرَةِ،
 
حِينَ بَكَى عِنْدَ قَبْرِ لِعَازَرَ (يوحنا 11: 35)،
 
لِيُعْلِنَ أَنَّ الحُزْنَ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ تَعْبِيرٌ عَنْ مَحَبَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
 
بَلْ إِنَّ أَلَمَ الفِرَاقِ قَدْ بَلَغَ ذِرْوَتَهُ فِي الصَّلِيبِ،
 
حِينَ صَرَخَ: «إِلهِي إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟» (متى 27: 46)،
 
لِيَحْمِلَ فِي جَسَدِهِ كُلَّ شُعُورٍ بِالوَحْدَةِ وَالانْفِصَالِ الَّذِي يَعْبُرُ بِهِ الإِنْسَانُ.
 
  وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنِ الفِرَاقُ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ،
 
فَالْقِيَامَةُ جَاءَتْ لِتُعْلِنَ أَنَّ كُلَّ مَوْتٍ ــ حَتَّى المَوْتِ العَاطِفِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ ــ لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ مَعْبَرًا إِلَى رَجَاءٍ جَدِيدٍ.
 
وَرَعَوِيًّا: 
  تَكْشِفُ هَذِهِ الخِبْرَاتُ عَنْ احْتِيَاجٍ عَمِيقٍ فِي الإِنْسَانِ:
 
احْتِيَاجُهُ إِلَى مَنْ يَفْهَمُهُ، وَيَحْمِلُهُ، وَيَكُونُ حَاضِرًا مَعَهُ فِي أَلَمِهِ.
 
لِذَلِكَ يَأْتِي الوَعْدُ الإِلَهِيُّ مُعَزِّيًا:
"لا أُهْمِلُكَ وَلا أَتْرُكُكَ" (عبرانيين 13: 5)،
 
وَ "هُوَذَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ" (متى 28: 20).
 
فِي لَحَظَاتِ الفِرَاقِ، قَدْ يَغِيبُ البَشَرُ،
 
وَلَكِنَّ حُضُورَ اللهِ لَا يَغِيبُ.
 
وَفِي الغُرْبَةِ، حِينَ يَتَفَكَّكُ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَنَا،
 
يَبْقَى هُوَ الثَّابِتَ الَّذِي يُعِيدُ تَرْتِيبَ القَلْبِ مِنَ الدَّاخِلِ.
 
الغُرْبَةَ وَالبُعْدَ وَالرَّحِيلَ وَالفِرَاقَ:
إِنَّ الغُرْبَةَ وَالبُعْدَ وَالرَّحِيلَ وَالفِرَاقَ،
 
رَغْمَ أَلَمِهَا، تُصْبِحُ فِي يَدِ اللهِ طَرِيقًا لِلتَّنْقِيَةِ وَالنُّضْجِ.
 
فَمَنْ اخْتَبَرَ الفِرَاقَ،
 
يَتَعَلَّمُ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِمَا هُوَ زَائِلٌ،
 
بَلْ أَنْ يَثْبُتَ فِي مَا هُوَ أَبَدِيٌّ.
 
وَمَنْ عَبَرَ الغُرْبَةَ،
 
يُدْرِكُ أَنَّ أَعْمَقَ وَطَنٍ لَيْسَ مَكَانًا، بَلْ حُضُورُ اللهِ فِي القَلْبِ.
 
وَمَنْ ذَاقَ أَلَمَ البُعْدِ،
 
يُصْبِحُ أَكْثَرَ رِفْقًا بِالآخَرِينَ،
 
وَأَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى أَنْ يُحِبَّ بِصِدْقٍ دُونَ تَأْجِيلٍ.
 
فَهُوَ مَوْتٌ… نَعِيشُهُ،
 
لَكِنَّهُ لَيْسَ بِلاَ رَجَاءٍ،
 
لِأَنَّ "الرَّبَّ قَرِيبٌ مِنَ المُنْكَسِرِي القُلُوبِ" (مزمور 34: 18)،
 
وَلِأَنَّ "الدُّمُوعَ تَزْرَعُ، وَبِالتَّهْلِيلِ تُحْصَدُ" (مزمور 126: 5).
 
هُوَ مَوْتٌ صَغِيرٌ…
 
لَكِنَّهُ فِي يَدِ اللهِ،
 
يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ بَدَايَةَ حَيَاةٍ أَعْمَقَ، وَإِيمَانٍ أَثْبَتَ، وَرَجَاءٍ لَا يَخِيبُ.
 
الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طوس...