حمدى رزق
تخيل من الخيال المحلق أن أول محاولة لتدبيج قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين تعود إلى عام 1977م، وقتئذ اجتمعت الطوائف المسيحية على كلمة سواء، وأنجزت قانونًا مجمعًا عليه وبمباركة البابا شنودة الثالث، قدس الله روحه. ولما تأخر إصداره طويلًا، عنيت الكنائس بتحرير مسودة محدثة للقانون في عام 1988 م، لم تكن بأحسن حظًا من سابقتها، واحتوتها أدراج الدولة العميقة رغم حماسة الكنائس لإصدار القانون تحت وطأة مآسي شعب الكنيسة من عنت لائحة 1938 م وتعديلاتها الأرثوذكسية من خلال المجمع المقدس في عام 1955 م.

تعديلات الكنيسة الأرثوذكسية على اللائحة المعتمدة من أيام المجالس الملية في العام 2008 م ، لم تفكك الحالة التي بات عليها شعب الكنيسة، ولذا اجتمعت الكنائس برغبة رئاسية لاستحداث قانون جديد للأحوال الشخصية للمسيحيين تحت رعاية طيب الذكر البابا شنودة الثالث في فبراير من عام 2010 م، وأنجزت قانونًا يعده المقربون من الكنيسة نموذجيًا بمقاييس عصره، وعني البابا شنودة بمراجعة مسودة القانون بنفسه، وأسقط بند التبني مراعاة لخاطر إخوته المسلمين.عصفت رياح يناير 2011 م بمشروع القانون، وأدته في مهده ، كما وأدت أحلامًا كثيرة تحت حكم إخوان الشيطان الذين كانوا يكيدون للمسيحيين كيدًا .

صدور دستور 2014 م واستحداث المادة (3) التي تنص: مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية. المادة ( 3 ) أحيت الآمال في صدور قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، و جرى تشكيل لجنة كنسية رفيعة المستوى لإعداد قانون جديد، على هدي من مسودات القانون الذي تبدد، واستغرق إعداده ثلاث سنوات كاملة، المدة التي استغرقها الحصول على موافقة الفاتيكان على المشروع الذي يضم الكنيسة الكاثوليكية ضمن ست كنائس توافرت على القانون بحسب ثقلها النسبي.

توافرت لمشروع القانون وقتئذ كل أسباب الصدور، موافقات كنسية، رعاية بابوية، إجماع نخبوي، بيئة حاضنة نتشوق لصدوره عبر حوار مجتمعي داخل الكنائس، وموافقة وزارة العدل التي راجعت القانون ومتنت مواده، وشكلت حروفه، وتولته الحكومة برعايتها ودفعت به إلى البرلمان. جرى تعليق مشروع القانون على شرط، صدور قانوني الأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين معًا، سيما وهناك نحو ( 50 مادة ) مشتركة بين القانونين، ومع تعثر إنجاز مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لتحفظات المشيخة الأزهرية أعلم بها، تم رهن قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين على ذمة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، في ربط تعسفي لا يستقيم شرعًا ولا قانونًا .

الإرادة السياسية حضرت، وتوجيه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بإنجاز قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين أحيا قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين من مرقده، وحرك مياه قانون الأحوال الشخصية للمسلمين ، وهناك لجان تعمل على مدار الساعة لإنجاز قوانين الأسرة المصرية، وجارٍ تنقيحها، ورفدها بكل ما يخفف من عذابات الأسر المصرية.

معضلة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين ليست وليدة اليوم أو العقد الحالي، أو حتى القرن الحالي، قانونا الأحوال الشخصية في مصر رقم 25/1920 ورقم 25/1929 جرى سنهما بداية القرن العشرين، واللذان يمثلان أول تقنين لقانون الأحوال الشخصية في تاريخ البلاد الحديث. القانونان كانا يهدفان في المقام الأول إلى توسيع الأسس التي يمكن للزوجة أن تبادر بالطلاق على أساسها، وينظمان مسائل النفقة في أثناء الزواج والنفقة بعد الطلاق. استغرق الأمر ما يقرب من نصف قرن حتى تم اقتراح تعديل القانونين. أصدر الرئيس السادات في عام 1979 المرسوم التشريعي رقم 44، حمل من بين الأحكام المستحدثة ، منها أن زواج الزوج مرة أخرى دون موافقة الزوجة الأولى يعتبر ضررًا، وأن الزوجة الأولى تُمنح الطلاق تلقائيًا من القاضي إذا تقدمت بطلب بهذا المعنى خلال سنة من اليوم الذي علمت فيه بالزواج. عُرض القانون على المحكمة الدستورية العليا، التي أعلنت عدم دستوريته على أساس مخالفته للشريعة الإسلامية، التي تعد مبادئها المصدر الرئيسي للتشريع وفقًا للمادة ( 2 ) من دستور 1971. في مايو 1985، أدخلت حكومة الرئيس مبارك (يرحمه الله) حزمة أخرى من التعديلات من خلال مجلس الشعب (القانون 100 لسنة 1985 ) والذي استجاب لبعض المطالب، ومنها المادة ( 11 ب) اعتبرت زواج الزوج (الثاني ) بحكم الواقع سببًا في تضرر الزوجة الأولى، لتطالب الزوجة بإثبات (الضرر)، أي أن عليها أن تثبت أنها تعرضت لضرر مادي أو نفسي نتيجة زواج زوجها من زوجة ثانية. وتنص المذكرة التفسيرية على أن قانون 1985 لا يهدف إلى تقييد حق الزوج في تعدد الزوجات، بل توفير وسيلة إنصاف للزوجة الأولى التي ستتضرر من زواج زوجها من ثانية، بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية ، وفق تقدير القاضي. وصدر القانون رقم ( 1 ) لسنة 2000 لينظم بعض شروط وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية ، وعلى الرغم من أنه قانون «إجرائي» فإنه تضمن بعض «الأحكام الموضوعية»، مثل المادة (20) التي تنص على طلاق الخلع (الطلاق الذي تبادر به الزوجة مقابل تعويض الزوج)،. مجمل التعديلات لم توفِّ حقوق المرأة، وكل المقترحات اصطدمت بحائط صد ذكوري وكل محاولات الاقتراب من العدل، وإن عدلتم، لم تغير ما هو ثابت على طريقة «هذا ما وجدنا عليه آباءنا». الفرصة سانحة لإنجاز قوانين أسرة تترجم مدنية الدولة، وترسم صورة للأسرة المصرية في جمهورية جديدة.
نقلا عن الاهرام