رشدى عوض دميان
"مرة أخرى عن مصر وأهلها"(*).
••••••••••••••••••••••••••••••••••
**** لا أدري إلى متى يظل هذا التفريق
بين شعب واحد يعيش على أرض واحدة
يتنفس الهواء الواحد، ويأكل من نفس
ما تجود به الأرض، ويعيش نفس الحياة،
بل وعندما تنتهي رحلته فيها،
يدفن جسده في نفس ترابها الواحد.
———————-
**** أدرك تماماً ماذا تعني الديانات
ومفهومها بالنسبة للجميع، فهذا يؤمن
بالديانة المسيحية، وهذا يعتنق الديانة
الإسلامية، والآخر يتبع الديانة اليهودية.
كما لا أنكر وجود فئة أخرى -ممن ليست
لهم ديانة على الإطلاق؟!
———————-
**** ونحن حين نتأمل تاريخ مصر، لا نجد
أن سر بقائها الممتد عبر آلاف السنين يكمن
في آثارها وحدها، ولا في نهرها الخالد
فحسب، بل في أهلها الذين حملوا هذا
الإرث جيلاً بعد جيل، فصاروا الوعاء الحافظ
له، والحارس الأمين على معناه.
———————-
**** ولعل من أبلغ الصور التي يمكن أن
تُستعار للتعبير عن هذا الدور، تشبيه أهل
مصر بـ”خزانها” أو “بنكها” بالمعنى المجازي
وليس ذاك البنك المالي المعروف،
بل المكان الذي تُصان فيه النفائس،
وتُحفظ فيه القيم.
فكما تُودَع الثروات في المصارف، أودعت
مصر في وجدان أهلها تاريخها وهويتها
وملامح شخصيتها المتفردة.
———————-
**** ومن الناحية اللغوية، فإن كلمة “بنك”
في اللغات الأوروبية تعود إلى أصل إيطالي Banco، وكانت تشير إلى المقعد أو المنضدة
التي يجلس إليها التجار في الأسواق خلال
عصر النهضة لممارسة أعمالهم من بيع
وشراء وتبديل للعملات. ثم تطور مدلول
الكلمة ليشير إلى المكان الذي تُحفظ فيه
الأموال وتُدار من خلاله المعاملات المالية.
كما استُخدمت الكلمة كذلك للدلالة على
ضفتي النهر (river bank)، أي الحدّ الذي
يحتوي الماء ويحفظه بين جانبيه.
———————-
**** ومن هذا المنظور، يمكن أن نقول:
كما يحفظ البنك الأموال، وكما تحتوي ضفتا
النهر مياهه، كذلك حفظ أهل مصر هويتها
عبر العصور، وصانوا ملامحها من الانصهار،
رغم ما مرّ بها من تحولات كبرى.
———————-
**** أما لفظ “القبط”، فله دلالة تاريخية
عميقة؛ إذ يرجع أصله إلى اللفظ اليوناني Aigyptios، الذي كان يُطلق على سكان
مصر جميعًا. ومع تطور الزمن، تغيّر
الاستعمال، فأصبح يُستخدم في الغالب
للإشارة إلى المصريين المسيحيين، بعد
أن كان يدل على عموم الشعب المصري
دون تمييز ديني.
———————-
**** ومن هنا، فإن الهوية المصرية في أصلها
هوية جامعة، أوسع من أن تُختزل في دين
أو حقبة، وهي هوية ساهم في تشكيلها
جميع من عاش على أرض هذا الوطن،
وحمل ذاكرته، وأسهم في استمرار حضارته.
———————-
**** إن مصر لم تُحفظ فقط
في كتب التاريخ،
بل حُفظت –قبل ذلك وبعده–
في قلوب أبنائها.
وهؤلاء الأبناء، "في كل عصر"، هم خزانها
الحقيقي، وذاكرتها الحية،
وامتدادها الذي لا ينقطع.
—————————————-
(*) من كتاب "مصر التي في خاطري".
تحت الطبع -يصدر قريباً-.





