بالمستندات: نثبت ما يؤكد أثرية الموقع ويرد على محاولات جهاز المدنية لسحب مساحة من أرض الأثار
مطالب بتشكيل لجنة رئاسية عليا لمعاينة الموقع وثبت اثرية الموقع وحمايتها من الاستيلاء
نادر شكري
أنعم الله على مصر بثروة من الموارد الطبيعية والآثار التي تمثل قيمة عظيمة أمام العالم، ومن بينها الآثار الدينية. وتأتي منطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون، الواقعة على بعد 5 كم من دير الأنبا بيشوي، في مقدمة المناطق التي تحتوي على آثار قبطية مهمة، حيث تم اكتشاف العديد منها، ومنها ما أعلن عنه مجلس الوزراء من اكتشاف دير قبطي يعود إلى القرن الرابع الميلادي.
 
ويقدم دير الأنبا بيشوي الدعم والمساعدة المادية والعلمية واللوجستية للبعثات الأثرية من أجل استكمال عمليات الكشف والحفاظ على آثار مصر من أي محاولات لطمسها أو تدميرها وهو مفوض من هيئة الاثار بالمشاركة في عملية التنقيب. ومن هذا المنطلق، وقف الدير صامدًا أمام محاولات إحدى السيدات الاستيلاء على جزء من هذه الأرض بمساحة 68 فدانًا، حيث تمت إزالة التعدي في أكتوبر من العام الماضي، وتحرير محضر بالواقعة، وإعادة تسليم الأرض بمحضر رسمي إلى هيئة الآثار، إذ إن مساحة جميع الأديرة المطمورة، البالغة 446 فدانًا، تقع ضمن ملكية هيئة الآثار، ولا يجوز التصرف فيها أو زراعتها.
 
محاولة تعدٍ جديدة تثير المخاوف
لكن المفاجأة التي تكشف عن أزمة حقيقية تستدعي تدخل وزير الآثار ورئيس مجلس الوزراء، تمثلت في محاولة التعدي الثانية، والتي وقعت قبل ثلاثة أسابيع، عندما جاءت السيدة (ر.س) مرة أخرى إلى الأرض حاملة خيامًا وأشجارًا في محاولة لزراعة الأرض بدعوى ملكيتها لها، وتم تحويل الأمر إلى النيابة العامة.
 
وبحسب مصادر كنسية، فإن مجلس المدينة، الذي سبق أن سلم الأرض لهيئة الآثار في أكتوبر الماضي باعتبارها مملوكة لها، يحاول حاليًا تحويل هذه المساحة إلى ملكية جهاز المدينة، وهو ما أثار مخاوف بشأن نية تسليم الأرض إلى السيدة المذكورة. كما أن تحويل الأرض من تبعية الآثار إلى جهاز المدينة يهدد الآثار المطمورة في هذه المساحة، ويكشف عن كارثة حقيقية. لذلك، حاول رهبان الدير، بدافع وطني وخوفًا على الآثار، رفع الأمر إلى كافة الجهات الرسمية للتدخل وإنقاذ المنطقة من محاولات طمسها.
 
تشكيل لجنة علمية لفحص الوضع الأثري للمنطقة
وفي هذا الملف، نكشف بالأوراق والصور ما يؤكد أن هذه الأرض، بما فيها الأرض محل النزاع، مثبتة ملكيتها لهيئة الآثار، وهو ما يعني أن أي محاولة لتحويلها إلى جهة أخرى تعد جريمة في حق الوطن.
 
وفي هذا السياق، تم تشكيل لجنة برئاسة الدكتور جمال فتحي عيد، مدير عام البحث العلمي، بشأن منطقة الأديرة المطمورة. وعقدت اللجنة اجتماعًا يوم الأحد الموافق 5 / 4 / 2026، بحضور عدد من المختصين والمعنيين بالأعمال البحثية والأثرية والأمنية، وذلك لبحث الموضوع من كافة جوانبه الفنية والتاريخية والميدانية.
 
وضم الاجتماع كلاً من الدكتور جمال فتحي عيد مدير عام البحث العلمي، والسيد عمرو لطفي أبو عاصي مفتش البحث العلمي، والدكتورة شهد زكي البياع مدير تطوير المناطق، والسيد رابح الرمضاني السيد المفتش الأثري المسؤول عن المنطقة خلال الفترة من 2004 حتى 2022 ومدير التوثيق حاليًا، إلى جانب السيد محمد زين الدين العابدين مسؤول الأمن منذ عام 1996، والسيد وائل عبد المنعم محمود مسؤول الأمن، والسيد محمد عبد الغني منصور مسؤول البحوث.
 
نتائج المعاينة الميدانية والدراسة الفنية
جاءت نتائج المعاينة الميدانية والدراسة الفنية التي أجرتها اللجنة لتؤكد عددًا من الحقائق الجوهرية المتعلقة بالمنطقة محل البحث، حيث ثبت للجنة من خلال مراجعة المستندات الرسمية والمعاينة على الطبيعة أن الأرض المشار إليها هي ذاتها الأرض المسجلة بموجب القرار رقم 1922 لسنة 1995، والتي تبلغ مساحتها التقريبية 446 فدانًا ونصف الفدان.
 
كما تبين أن الأبعاد الفعلية للأرض على الطبيعة تختلف عن الأبعاد الواردة بالقرار المشار إليه، إذ تتخذ الأرض شكلًا شبه منحرف يبلغ طوله نحو 1840 مترًا، بينما يتراوح عرضها بين 1250 مترًا و700 متر، وهي ذات الحدود الثابتة التي لم يطرأ عليها أي تعديل منذ تسجيل الموقع.
 
وأكدت اللجنة أن المنطقة تتمتع بطبيعة أثرية واضحة وجلية، حيث تظهر الشواهد الأثرية على سطح الأرض في صورة منشوبيات وتلال أثرية يمكن ملاحظتها بالعين المجردة دون الحاجة إلى أعمال حفر أو جسات، وهو ما تؤكده نتائج المسوحات الجوية والخرائط المساحية المعتمدة، بما يعكس القيمة الأثرية للموقع ويؤكد ارتباطه بنطاق أثري ثابت ومعروف.
 
كما أوضحت المعاينة أن الحدود الطبيعية للأرض لم تتغير منذ تاريخ تسجيلها، وأن هذه الحدود تم إثباتها ورفعها مساحيًا من خلال المساحة العسكرية عام 2017، بما يقطع بثبات الوضع الجغرافي للموقع وعدم حدوث أي تغيير في نطاقه أو معالمه الطبيعية.
 
محاولات تضليل وتعديات موثقة
فيما يتعلق بما أثير من ادعاءات بشأن ملكية أو وضع اليد على أجزاء من هذه الأرض، فقد رصدت اللجنة وجود محاولات متعمدة للتلاعب في الخرائط ونتائج المعاينات بهدف تضليل الجهات المختصة وتجاهل الشواهد الأثرية الثابتة بالموقع، وذلك من خلال تقديم معلومات أو تصورات مخالفة للحقيقة الميدانية والمستندات الرسمية.
 
كما تبين للجنة أن من بين هذه المحاولات ما قامت به المدعية رقية سعيد إبراهيم غريب، رغم ثبوت عدم وجود أي أرض مملوكة لها أو ملاصقة للمنطقة محل الدراسة، الأمر الذي يثير الشكوك حول سلامة الادعاءات المقدمة بشأن الموقع.
 
إجراءات قانونية لحماية الأرض الأثرية
ثبت من مراجعة المستندات والقرارات السابقة أنه خلال عام 2021 وقعت محاولة مشابهة للمساس بوضعية الأرض محل الدراسة، إلا أن الجهات المختصة بادرت في حينه باتخاذ الإجراءات القانونية والفنية اللازمة، حيث تم إلغاء الموافقات التي صدرت بالمخالفة للحقيقة الفنية، مع إعادة التأكيد رسميًا على أثرية الأرض وخضوعها للحماية باعتبارها جزءًا من نطاق أثري ثابت.
 
كما تمت مخاطبة مجلس مدينة وادي النطرون بضرورة وقفلتعامل نهائيًا على هذه الأرض وعدم اتخاذ أي إجراءات إدارية أو تنظيمية بشأنها، حفاظًا على طبيعتها الأثرية ومنعًا لحدوث أي تعديات أو تغييرات تمس الموقع.
 
وخلال الفترة الأخيرة، قامت الجهات المعنية باتخاذ إجراءات تنفيذية ضد التعديات التي وقعت على المنطقة، حيث تم تحرير محاضر تعدٍ وإزالة ضد المدعية المذكورة خلال شهري أكتوبر 2025 ومارس 2026، بعد رصد مخالفات وتعديات على الأرض بالمخالفة للوضع القانوني والأثري للموقع.
 
القانون يحسم الوضع لصالح الأثرية
انتهت اللجنة إلى أن المنطقة محل الدراسة تمثل نطاقًا أثريًا ثابت المعالم والحدود، وأن الشواهد الأثرية القائمة بها تؤكد أهميتها التاريخية والأثرية، بما يستوجب الحفاظ عليها ومنع أي إجراءات أو تصرفات من شأنها المساس بطبيعتها أو الانتقاص من قيمتها الأثرية.
 
واعتمدت اللجنة في عملها على نصوص القانون، حيث تنص المادة (2) على أن: "تُعتبر أرضًا أثرية كل أرض تحتوي على شواهد أثرية أو يحتمل وجود آثار بها"، كما تنص المادة (20) على أن: "أراضي الآثار من أملاك الدولة العامة، ولا يجوز التصرف فيها أو تملكها."
 
مستندات رسمية تؤكد الحقائق
أرفقت اللجنة مجموعة من المستندات التي تثبت صحة ما انتهت إليه، ومنها: خريطة المسح الأثري للبعثة الأمريكية العاملة منذ عام 2005.خريطة المساحة العسكرية لعام 2017.الخرائط الخاطئة المتداولة حاليًا.صور جوية للمنطقة في أعوام 2004 و2018 و2025. محاضر تنفيذ إزالة التعديات خلال عامي 2025 و2026. مخاطبات رسمية وإجراءات سابقة ومحاضر معاينة عام 2022.
 
وتم إرفاق هذه الصور والمستندات بما يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن المنطقة أثرية، وأن أي محاولة لتغيير وضعها تمثل خطرًا على التراث الوطني.