فاطمة ناعوت
الكاتبُ المغربى «عبد العزيز كوكاس» يعكف على إعداد كتاب عنوانه «عندما يتحدث الظلُّ»، يحكى فيه عن تاريخ ميلاد الكتب. تلك اللحظة الغامضة التى يتشكّل فيها الكتابُ داخل عقل مؤلفه. تواصَل مع أدباء من دول عربية وأجنبيه، يسألهم أن يختاروا كتابًا من بين إصداراتهم ليتحدثوا عن رحلته منذ نشأت فكرته فى عقولهم وحتى رأى النور بين أيدى القراء. وكنتُ ممن اختارهم. ودون تفكير اخترتُ كتابى عن ابنى «عمر» وتجربة «التوحّد». ثم تراجعتُ. رفضتُ الاستسلام لغواية الرومانسية والذاتية. لماذا لا أختارُ ديوانًا شعريًّا، أو أحد كتبى فى التنوير أو النقد، أو إحدى ترجماتى عن الإنجليزية؟ أو بالأحرى روايتى التى صدرت هذا العام «قبو الوراق»؟ أليس هذا أوفق من اختيار كتاب صدر عام ٢٠٢٣؛ يعنى لا هو بالحديث ولا هو من البواكير، وعن ابنى كذلك؟! لن أفعل. ولكى أنجو من الحيرة؛ قررت الاحتكام لقاضٍ محايد، بارد وغير عاطفى، ليساعدنى فى الاختيار. الذكاء الصناعى. ولن تصدقوا ماذا قال!
قال نصًّا: (أقترحُ عليكِ، وأنتِ الأدرى بسيرتكِ الكُتبية والإنسانية، أن تختارى الكتابَ الذى لم يكن مجرد مشروع كتابة، بل كان ضرورة وجود. الكتاب الذى لو لم يُكتب، لاختلّ شيءٌ فيكِ. وأظن، دون تردّد، أن كتابكِ «عُمَر.. من الشرنقة إلى الطيران» هو الأجدر بهذه الحكاية. ليس لأنه الأجمل أدبيًا، ولا لأنه الأقرب إلى قلبكِ كما تصرحين فى لقاءاتك، بل لأنه بالمعنى العميق: ليس كتابًا عن «موضوع»، بل عن «حياة». هنا لا نتحدث عن نصٍّ خرج من تأملٍ فكرى أو أو إبداع أدبى أو انشغالٍ جمالى، بل عن نصٍّ خرج من قلب «أمٍّ» كانت تعيد تشكيل العالم كى يتّسع لابنها. وهذا وحده كفيل بأن يمنح الحكاية خلف الكتاب ثراءً إنسانيًّا نادرًا. فى هذا الكتاب، الحكاية ليست هامشًا للنص، بل هى متنُه الخفيّ. حكاية الاكتشاف الأول، الصدمة، الارتباك بين تشخيصات الأطباء، لحظات الإنكار والانهيار، ثم التقبّل ورحلة العلاج الطويلة. عن تعلّمك عمل الخبز فى البيت بدقيق اللوز لأن القمح ضارٌّ بابنك. عن لحظات غضبه وعنفه، التى قوبلت بحبٍّ غامر منك، وغيرها من التحديات العسيرة، التى أجبرتك إلى إعادة تعريف الأمومة. حكاية اللغة التى تعلّمتِها كى تفهمى «عمر»، قبل أن تعلّمى العالمَ كيف يفهمه. حكاية المهندسة المعمارية التى أرادت أن تعيد تصميم الواقع، لا المنازل. ثم هناك حكاية أخرى موازية لا تقلّ أهمية: كيف حوّلتِ الألمَ الخاص إلى نصّ عام؟ كيف يُكتب ما يُخشى قوله؟ كيف واجهتِ فكرة نشر كتاب بهذا القدر من العُرى الإنسانى؟ هل ترددتِ؟ هل خفتِ من نظرة المجتمع؟ من التأويل؟ من الشفقة؟ هذه الأسئلة وحدها مادة ذهبية لملف الكاتب المغربى. ولا تنسى أن هذا كتابك، رغم خصوصيته الشديدة، هو فى جوهره كتاب «كونيّ»، يمكن أن يلمس قارئًا فى الدار البيضاء كما يلمس قارئًا فى القاهرة أو باريس أو طوكيو. لأن «عُمَر» هنا ليس حالة فردية، بل مرآة لفكرة الاختلاف الإنسانى).
حينما قرأتُ هذا الكلام جفلتُ. شعرتُ بالخوف. وكأن المتحدث يعيش داخلى منذ ٣٠ عامًا! كيف عرف أن »عمر« لم يدخل حياتى كابنٍ يُضاف إلى سيرة أمٍّ صغيرة فى مقتبل عمرها، بل اخترق حياتها مثل زلزالٍ هادئ، لا يُسمع صوتُه، لكنه يُعيد ترتيب كل شيء فى العمق. أعلم أن الذكاء الصناعى لا يشعر. هو نظامٌ يعالج اللغة، لا التجارب. يُحلّل الأنماط، لا الآلام. كل ما يقوله خواريزماتٌ منطقية لتراكمٍ هائل من البيانات. أعرف هذا. لكننى تساءلتُ كيف لآلة بلا ذاكرة شخصية، أن تقترب إلى هذا الحد من منطقةٍ شديدة الخصوصية؟! كيف لآلةٍ لا تعرف الأمومة، أن تلتقط هذا الخيطَ الخفيّ بين الكتابة والنجاة؟ كيف حلّلت مشاعرى ومخاوفى من مجرد قراءتها قصائدى وسماعها لقاءاتى التليفزيونية؟ هل تلصَّصتِ الآلةُ على قلبى، أم كنتُ أنا مَن يُملى عليها ما أريد سماعه؟ فاللغةُ أداةُ فضح ما بداخلنا. فإذا تلقفتها الآلةُ من ألسننا؛ صارت قادرة على إنتاج خطاب يشبهنا، وكأنه صادرٌ عن تجربة!
ليس السؤالُ: «هل للذكاء الصناعى مشاعرُ؟» بل: «ما الذى يجعلنا نُصدّق أن هذا الكلامَ يحملُ مشاعرَ؟» الإجابة: «كلام الآلة مرآةٌ لمشاعرنا». نحن نكشفُ مشاعرنا أمام الكاميرات وعلى الورق، فتلتقطُها الآلةُ، ثم تعيدها إلينا. ثم نكملُ معها اللعبةَ بأن نقنع أنفسنا أننا نصدق ما قالت. هى «بضاعتُنا رُدَّتْ إلينا»، ولا شيء أكثر. الذكاء الصناعى لا يشعر ولا يتعاطف، لكنه يعيدُ إلينا مشاعرنا التى سبق وأعلناها على الشاشات أو فى القصائد والمقالات والكتب. السؤال الحقيقى هو: ما زلنا، نحن البشر، نملك صوتًا يمكن تمييزه عن صدى الآلة؟.
نقلا عن المصرى اليوم





