دكتور مهندس/ ماهر عزيز 

ولتسقط أقنعة اليسار الزائفة بالإنسانية 

لا تزال المعارضة اللاموضوعية للديمقراط واليسار تصب جام اتهاماتها المفترية -  بضراوة وافتئات -  علي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لكراهيتها الشنيعة له، مصطنعة العماء عمدا عن - أو متجاهلة تماما - السيادة الوطنية العليا للدولة الأمريكية في عالم يتربص به الذئاب.

فليس معقولا البتة لمن وهبهم الله نعمة العقل أن لا يروا صالح بلادهم لأن علي رأس إدارة الحكم فيها رئيس سليط اللسان، له أسلوبه الخاص في الإدارة، يطلق عليه خصومه "الهمجي" و"البلطجي"، وينسبون إليه فيها مفاسد أخلاقية، يشكك فيها - وربما يدحضها - أنه  كان هو نفسه السبب في القبض علي رمزها القوي - إبستين - وإيداعه السجن حتي مات ..   أقول يكرهونه كراهية شنيعة، يقلبون فيها كل عمل صالح له إلي نقيصة وسخرية واتهام، ناكرين شجاعته في قرارات خطيرة لأجل بلاده والعالم كله، ليس أقلها قرار حرب إيران.

يعرف القاصي والداني أن نظام الملالي الإيراني هو نظام ثيؤقراطي قاس ميت القلب والضمير، حازم في الشر لا يلين، دجج نفسه بالحرس الثوري الشرس، وبأسلحة فائقة الخطورة للردع والخطر - خاصة الصواريخ الباليستية المدمرة - وبأيديولوجيا عقائدية ينحصر مشروعها في التمدد الاستعماري اللانهائي تجاه الدول والشعوب حوله، فالتهم العراق بالحشد، والتهم سوريا ولبنان بالحزب، والتهم غزة بحماس والقسام، والتهم اليمن بالحوثي، ومستمر في التمدد ليلتهم إرادات وأراض وموارد ومقدرات شعوب ودول أخري في ليبيا والسودان وإثيوبيا ودول عديدة، ويظهر للعيان جليا التخريب الكامل الذي أحدثه بحزب (الشيطان) في لبنان كنموذج، ثم صار سعيه لامتلاك القنبلة الذرية خطرا يتهدد الدنيا كلها، ويتجاوز المنطقة الشرقية أوسطية إلي العالم أجمع.

لم يكن بد من إسقاط حكم الملالي إلي الأبد بلا مهادنة مطلقا، فوضعت الخطة العسكرية بواسطة كبار السياسيين وقادة الجيش وأجهزة المخابرات والأمن القومي، الخطة التي لا يعلن عنها إلا في حينها بحسب مقتضيات الحرب، لكن الإعلام يختزل نسبتها إلي الرئيس، وهكذا يفعل كل خصومه ومنتقديه، فيتعارف عليها الجميع "بخطة ترامب"، ويوجهون لها سهام النقد والكراهية كلما استطاعوا إلي ذلك سبيلا، بينما هي أصلا وجوهرا خطة الدولة. 

لا يمكن لدولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية أن تدخل حربا خطرة ضد نظام قاس عنيد علي بعد أربع عشرة ساعة (معيارية) طيران من أرضها دون خطة .. ونقد الرئيس بانعدام الخطة هو نقد لا يعرف شيئا البتة عن  الحرب والعمليات العسكرية، ولا يستهدف سوي الانتقاص العبثي من شخص الرئيس، والضرب فيه، والتطاول عليه.

وقد بدا جليا مع تصاعد الأحداث اليومية للحرب أن الخطة وضعت في أول أولوياتها أن تحافظ حفاظا مطلقا علي أرواح المدنيين الأبرياء، فتستهدف حصريا هياكل البنية الأساسية الحربية لإضعاف قوة الحرس الثوري والملالي، ومحاولة إزالة كل إمكانات الخطر الحربي التقليدي والرعب النووي، فإذا أصيب مدني أو قتل فذلك مما لا يمكن تجنبه، ومستحيل افتداؤه للظروف اللصيقة بالحرب، والعمليات القتالية المرتبطة بها،  التي لا يمكن لأي جيش في العالم، وأي حرب علي وجه الأرض أن تتجنبها.

علي أن الحرب - أي حرب - ترتبط كذلك بحرب نفسية موازية يتبادلها طرفا الحرب طوال القتال، كما فيما قبله وبعده أيضا، فإذا بالغ الرئيس ترامب في أحد تهديداته بأن الحرس الثوري إذا لم يذعن للمطالب العادلة للحرب فإنه "سيقضي علي الحضارة الإيرانية في يوم واحد"، أو "سيعيد إيران إلي العصر الحجري"، يكون مفهوما بجلاء أنه لا يقصد البتة سوي الإشارة إلي قسوة الرد الحازم الحاسم، لأجل الردع والتعجيل بالاستجابة لمطالب الحرب، وهنا يكون من المخجل جدا أن يستغل "الديمقراط- اليسار" التهديد بوصفه خطة حقيقية لسحق الآخر، فيبدأ صراخهم بمندبة أخلاقية كأنهم وحدهم الذين بيدهم مفاتيح الأخلاق ؟؟؟

عدم المساس بحياة الملايين من الشعوب الخاضعة للحرب كان أهم محاور خطط أمريكا في أي حرب خاضتها، ومن العبث - بل ومن الإهانة الوطنية - الارتداد عليها بافتراءات "أن يتعين عليها تجنيب ملايين البشر  ويلات القتل والتشريد والجوع والمرض"، في مخاتلة صريحة بادعاء الدفاع عن "الأخلاق الفردية"، وارتداء قناع العنترية الإنسانيّة،  بينما هي أول أولويات أي مخطط أمريكي للحرب، خاصة الرئيس.

لكن جانبا آخر في مناحة "الديمقراط-اليسار" يسقط عنه القناع الأخلاقي المهترئ حين يتشدقون بالحرص والخوف علي الإنسانية المعذبة، التي سيفني التهديد الترامبي كل بنيتها الأساسية في الطاقة والصناعة و الغذاء والماء والدواء والأعمال، فلاتفتقر لكل شيء فقط، بل تضج بالفوضي التي تخلق انتقاما تاريخيا لا يهدأ إلا بقوي متشددة جديدة تهدد أمن العالم بأبشع وأخطر .. ينعون المآسي التي ستحدث لشعب مسكين بادعاءات أخلاقية لا يبصرون فيها أن ذلك لن يتم أبدا علي هذا النحو إلا بالقدر الذي يحاصر الحرس الثوري ويشله تماما أو يقضي عليه.

فمن جهة أخري لا يمكن لدولة عظمي كأمريكا أن تخضع لابتزاز حرس ثوري يدفع بأي اتفاقات إلي حافة الهاوية، ويسقط هيبة الدولة العظمي بالعناد والتشدد الذي يضع شعبه علي حافة الهاوية، ويلقي بأمريكا في بئر الخزي والهزيمة  والتراجع المهين.

الحرب حرب .. ومن الرقاعة والخزي أن يهمل رئيس دولة عظمي مفاتيح النصر النهائي في يده ويخضع لابتزاز اللصوص ..  بينما بيده أن يهدم المعبد علي رؤوسهم مهما اشتدت الآلام المرتقبة، فلم يكن العالم أبدا خلوا من الآلام أمام الأهداف الكبار للشعوب والأمم.

هل يفرح "الديمقراط-اليسار" بخزي بلادهم وهزيمتها أمام الأشرار الرعاع، الذين لا يهمهم هدم بلادهم بغطرسة القوة الزائفة وقسوة التوحش، ولا يعبأون بهدم المعبد علي رؤوسهم ورؤوس شعبهم ؟؟؟ 

أيكون "الديمقراط-اليسار" أحن علي الشعب هناك من قادتهم الأردياء الذين يسوقونهم للهلاك؟

هذه مصائر أمم لا محل فيها للأخلاق الفردية والتباكي الأخرق علي أخلاق لا يريدونها لشعبهم  ولا يحافظون عليها .

فلتكن القسوة مع الأشرار الأردياء أبناء التوحش والعناد لكسر شيطنتهم، وليكن الحد الأدنى من الخسائر قدرا لا فكاك منه.

والذين ينعون علي ترامب دفعه الشباب الإيراني للخروج للاحتجاج بوعود مستحيلة التحقيق في وقتها إبان الانتفاضة الكبري، لا يدركون سلوك الناس في الخطر.  فتحت الخطر لا يسمع الناس للوعود البتة .. ليسوا سذجا ليسمعوا لصوت قادم عبر البحار لا يملك من أمرهم شيئا، بل يسمعون لصوت بؤسهم وفقرهم وفجيعتهم في اقتصاد بلادهم، وإذا أعماهم الغضب خرجوا يزأرون في طلب الخبز والحرية .. فوعود ترامب مستحيلة التحقق وقتها لم يسمعها أحد من الشعب الإيراني الذكي ، لكنهم خرجوا بدافع حقيقي من معاناتهم .. ولا يمكن "للديمقراط-اليسار" أن ينحوا باللائمة علي الرئيس الأمريكي لأنه أطمع الإيرانيين في المقاومة، لأنه ببساطة لم يطمع أحدا.  المأساة الحقيقية ليست في وعود أمريكية لم تتحقق حينها ولكن في نظام شرس متوحش قاسي قتل أكثر من أربعين ألفا من الشعب الإيراني فقط لمجرد أنه استخدم حقه المشروع في المطالبة بالخبز والحرية. ولذا فشرعية قتال هذا النظام و إفنائه عن بكرة أبيه مؤكدة.

مهما كانت الكلفة المحسوبة المخططة لإسقاط نظام شرس متوحش قاسي ضخمة .. لابد من دفع الكلفة، ولابد من سحق النظام، لأنه من دون سحق النظام سيبقي الخطر الرهيب النووي محدقا بالعالم، ويبقي الخطر الرهيب بالعدوان الوحشي علي الشعب في الداخل.

فإذا سقط في دفع هذه الكلفة العالية المحسوبة شباب ونساء وأطفال، لا يجعل الهدف الأعظم بإسقاط النظام الوحشي منهم وقودا للحرب .. ولا يصنع منهم ضحايا يحتاجون أي تبرير أخلاقي رخيص .. لكنهم يكونون أبناء الحرب الذين تأكلهم الحرب وحسب .. فلا حرب قامت في الدنيا لتحقيق أهدافا نبيلة دون قتلاها الذين أحيوا بدمائهم الذكية كل الأجيال القادمة من بعدهم، أو رفعوا بدمائهم الذكية اسم بلادهم عاليا في الآفاق.

لقد قدر لي أن أحضر حرب التحرير المصرية لسيناء في أكتوبر العظيم، ورأيت بأم عيني كيف افتدي آلاف الأبطال القتلي بدمائهم الذكية شرف بلادي، ورفعوا رأسها عاليا بين الأمم.

هذه الحرب التي لم تضع أوزارها بعد كانت حربا  ضرورية حتمية لكسر الشر المتربص بالعالم ..  ولا أعتقد أن رجلا بشخصية ترامب يمكن أن يسوقه رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو إليها، أو يحرضه لاتخاذ قرارها .. ذلك اعتقاد معوج معيوب يحقر من دولة عظمي كأمريكا، ويحقر من رئيسها وكل جهاز إدارة الدولة معه .. فقرار الحرب هو بالأساس قرار دولة يتحسب لكل مقدراتها التي تستخدم للحرب، ولا يتخذه رئيس دولة عظمي بشخصية ترامب إلا من وحي ذاته، ووحي شركائه في صنع القرار بوزارة الحرب ووزارة الخارجية ووزارة المالية وأجهزة المخابرات والأمن القومي .. 

وأنا أتعجب لكل الذين يسوقون هذه الفرية ليدللوا علي أن رئيسا جسورا بشخصية ترامب يسلس قياده لرئيس دولة صغري بحجم اسرائيل في قرار حرب خطرة بهذا الحجم، مهما كان وزن هذه الدولة الصغري .. بوارج وطائرات وقنابل وقاذفات  وجيش وجنود دولة كبري لا يمكن أن يحركها تحريض رئيس أي دولة أخري، بل يحركها عقل الدولة ذاتها وتحسباتها الاستراتيجية العميقة وقراءتها السياسية الصرف لموجبات الحرب ودواعيها. 

لا يمكن أن يكون قرار الحرب علي هذا النحو الخطير حماقة أبدا، أو عشوائية غبية أبدا، كما يدعي كل خصوم وكارهي الرئيس، ولا يمكن لعاقل أن  يحكم عليها من مجرد تويتات أو تغريدات - كما يسمونها - أو حتي تهريجات  يتفكه بها الرئيس من صنع الذكاء الاصطناعي في صور أو أشكال تعود الرئيس أن يطلقها لأي هدف كان، ولا حتي أيضا من تصريحات متحركة بسرعة مع التطورات الآنية لمستجدات الظروف المحيطة بالحرب .. لا يمكن لعاقل أن يحكم علي حرب بهذه الخطورة من خلال هذه السطحيات كلها .. إنما الأمر خطير عميق له جوانبه الحرجة التي علي طاولة البحث المستمر الدءوب لفريق الإدارة للولايات المتحدة الأمريكية العظمي.

إيران بلد ذو حضارة عريقة وشعب عظيم،  يستحق نظاما للحكم يعيد إليه إنسانيته المهدرة وحريته المكبلة في قيود الثيؤقراطية المدمرة الساحقة للبشر ..  والقضاء علي نظام الملالي والحرس الثوري الوحشي الشرس هو أنبل الأهداف التي تستحق التضحية بكل مرتخص وغال للخلاص ..  لأجل حياة وسلام الشعب الإيراني والشعوب المحيطة كلها  ..  ولا محل هنا البتة لأية ادعاءات خرافية بأخلاقيات فردية تتجاوز نطاقها الخالص إلي ذريعة تتمحك بإنسانية كاذبة لتدين أو تمنع حربا وجودية حتمية من بلوغ أهدافها لخير العالم ونجاته واستقراره بالأمل والسلام.

وإننا لنأمل أن يمتنع صانع القرار الأمريكي عن أية تنازلات أو صفقات تهادن الخطر والظلم والوحشية، فيحجب عن الشعب الإيراني والعالم ثمار الانتصار .