شريف منصور
دعونا نضع الأمور في نصابها، بلا تجميل ولا شعارات براقة:
ما يُعرف بـ ESG، أي معايير البيئة والمجتمع والحوكمة، لا يبدو اليوم كما يُروَّج له على أنه نظام أخلاقي أو مسار تقدمي يخدم البشرية.
 
بل تحوّل، في نظر كثيرين، إلى أداة ضغط وسيطرة تحدد من يستمر اقتصاديًا ومن يُستبعد من السوق.
 
ما يجري الآن ليس مجرد تطوير للنظام الرأسمالي، بل هو إعادة تشكيل واسعة للاقتصاد العالمي من أعلى، دون تفويض شعبي أو رقابة ديمقراطية حقيقية.
 
وفي قلب هذه المنظومة، يتكرر اسم واحد باستمرار: مارك كارني.
GFANZ… حكومة مالية بلا انتخابات
 
الاسم الرسمي هو:
GFANZ
أي تحالف جلاسكو المالي للوصول إلى صافي صفر انبعاثات.
 
لكن ما يمثله فعليًا يتجاوز مجرد تحالف بيئي أو مبادرة استثمارية.
 
إنه، من وجهة نظر منتقديه، أشبه بـ حكومة مالية عالمية غير منتخبة، بلا ناخبين، بلا برلمانات، وبلا مساءلة مباشرة.
 
هذا التحالف يضم أكبر البنوك وصناديق الاستثمار العالمية، ويدير تريليونات الدولارات، ما يمنحه نفوذًا هائلًا على قرارات التمويل والاستثمار.
 
ومن خلال هذا النفوذ، يصبح قادرًا على تحديد:
من يحصل على التمويل
من يُحاصر اقتصاديًا
من يلتزم بالشروط
ومن يُعاقب بالاستبعاد
وكل ذلك يحدث بينما لا يملك المواطن العادي أي دور في رسم هذه السياسات.
 
مارك كارني… مهندس النظام أم أحد المستفيدين منه؟
 
مارك كارني ليس مجرد مسؤول عابر في هذا المشهد، بل يُنظر إليه باعتباره:
أحد أبرز الوجوه القيادية في GFANZ
 
من أبرز المروجين لفكرة “التحول المناخي” في عالم الاستثمار
 
لاعبًا مؤثرًا داخل Brookfield Asset Management
 
وفي ظل هذا التوجه، تدفقت مليارات الدولارات إلى صناديق الاستثمار المرتبطة بالتحول الأخضر.
 
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو:
هل نحن أمام تنظيم اقتصادي يخدم الصالح العام، أم أمام مصالح مالية ضخمة تتخفّى خلف شعارات إنقاذ المناخ؟
 
كيف يمكن لشخص واحد أن:
يضع المعايير
 
يضغط على السوق لتطبيقها
 
ثم يستفيد ماليًا من نتائجها؟
 
هذا ما يراه كثيرون تضاربًا واضحًا في المصالح، حتى لو تم تقديمه تحت لافتات أخلاقية جذابة.
 
حين يتحول الاقتصاد إلى سلاح
 
المسألة لم تعد تتعلق بمجرد سياسات استثمارية، بل بنظام يستخدم رأس المال كأداة للثواب والعقاب.
 
فالشركات أصبحت مطالبة بالالتزام بأجندات محددة كي تحصل على التمويل وتبقى في السوق، بينما تتعرض قطاعات بأكملها، مثل قطاع الطاقة التقليدية، لضغوط متزايدة قد تؤدي إلى إضعافها تدريجيًا.
 
وفي الوقت ذاته، تتحول المؤسسات المالية إلى أدوات تنفيذ لسياسات لم تخضع لاختيار شعبي.
 
وهنا يبرز التساؤل الخطير:
هل ما زال هذا اقتصاد سوق حر؟
 
أم أننا أمام إدارة مركزية مقنّعة برداء رأسمالي؟
 
المقاومة بدأت… والنظام يتراجع
 
رغم قوة هذا المسار، بدأت تظهر مؤشرات على تراجعه:
بعض البنوك العالمية بدأت تخفف التزاماتها
 
الأهداف البيئية المعلنة بدأت تُراجع تحت الضغوط
 
المعارضة السياسية تتصاعد، خاصة في الولايات المتحدة
 
والسبب في ذلك أن كثيرين بدأوا يرون أن هذه المنظومة لم تعد مجرد إطار تنظيمي، بل أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي عالميًا.
 
وعندما يتحول الاقتصاد إلى أداة أيديولوجية، فإن أول ما يتعرض للاهتزاز هو ثقة الناس بالنظام نفسه.
 
القضية ليست المناخ… بل السلطة
 
جوهر المسألة لا يكمن فقط في الحديث عن البيئة أو الانبعاثات.
 
السؤال الحقيقي هو:
من يملك القرار الاقتصادي؟
 
هل هي الحكومات المنتخبة والشعوب؟
 
أم شبكة مالية عالمية لا تخضع لانتخاب مباشر؟
 
إن الخطر الذي يراه المنتقدون لا يتمثل في الشعارات البيئية ذاتها، بل في تركيز القرار الاقتصادي العالمي في يد عدد محدود جدًا من المؤسسات والأفراد.
 
وهنا تصبح القضية قضية سلطة ونفوذ قبل أن تكون قضية مناخ.
 
التحذير الأخير
 
حين تتحول الأموال إلى وسيلة ضغط،
 
تتحول الديمقراطية إلى مجرد شكل بلا مضمون.
 
وحين يصبح واضعو القواعد هم أنفسهم المستفيدين من نتائجها،
 
فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه الجميع هو:
هل ما زلنا نملك القرار، أم أصبحنا مجرد أرقام داخل معادلة أكبر؟
 
ما يحدث ليس أمرًا نظريًا بعيدًا، بل واقع يتشكل تدريجيًا.
 
إما أن تدرك الشعوب طبيعة هذه التحولات وتفهم أبعادها،
 
أو تجد نفسها أمام قرارات مصيرية تُتخذ عنها دون أن يكون لها رأي فيها.