نادر شكري
وصل بابا الفاتيكان، لاون الرابع عشر، إلى الكاميرون في محطته الثانية ضمن جولته الأفريقية الكبرى، حاملًا معه نداءً ملحاً للسلام في بلد يمزقه نزاع دامٍ منذ عام 2017. وتأتي هذه الزيارة في وقت حساس للمناطق الناطقة بالإنجليزية، حيث يطالب انفصاليون بالاستقلال عن الأغلبية الناطقة بالفرنسية.
 
هدنة لثلاثة أيام: تغليب صوت الصلاة
في خطوة لافتة، أعلنت الجماعات الانفصالية وقفاً شاملاً للقتال لمدة ثلاثة أيام تزامناً مع وجود الحبر الأعظم، مؤكدة أن هذا القرار يأتي تقديراً لـ «الأهمية الروحية العميقة» للزيارة، وحرصاً على تأمين تنقّل المدنيين والحجاج والوفود المشاركة في القداسات والمراسم الرسمية.
 
أرقام الصراع والحاجة للسلام
يسعى البابا من خلال خطاباته إلى تسليط الضوء على المأساة الإنسانية في الكاميرون، حيث: حصد النزاع أرواح أكثر من 6000 شخص، تسبب في نزوح ما يزيد عن 600 ألف مدني، خلق فجوة اجتماعية وسياسية بين المكونات الناطقة بالإنجليزية والفرنسية.
. ومن المتوقع أن يركز البابا في لقاءاته مع المسؤولين في "ياوندي" على ضرورة الحوار الوطني الشامل كبديل وحيد للسلاح، تماشياً مع شعاره الدائم "لا تخف.. آمن فقط"، وبحثاً عن حلول عادلة تنهي معاناة النازحين واللاجئين
 
تكتسب هذه الزيارة زخماً كبيراً بالنظر إلى التركيبة السكانية للكاميرون؛ فالدولة التي يقطنها نحو 30 مليون نسمة، تضم أغلبية مسيحية بنسبة 70%، يشكل الكاثوليك منهم ما بين 35 و40%. وتعد هذه الزيارة هي الأولى من نوعها منذ 17 عاماً، حيث كان البابا الراحل بندكتس السادس عشر آخر حبر أعظم زار البلاد في عام 2009.
 
رسالة البابا: ما وراء الحدود
بعد الجزائر، تأتي الكاميرون لتؤكد نهج البابا لاون الرابع عشر في التوجه نحو "أطراف العالم" والمناطق المنسية التي تعاني من الصراعات. ومن المتوقع أن يركز البابا في لقاءاته مع المسؤولين في "ياوندي" على ضرورة الحوار الوطني الشامل كبديل وحيد للسلاح، تماشياً مع شعاره الدائم "لا تخف.. آمن فقط"، وبحثاً عن حلول عادلة تنهي معاناة النازحين واللاجئين.
 
تُعد الحرب في الكاميرون، أو ما يُعرف بـ "حرب أمبازونيا"، واحدة من أكثر الصراعات تعقيداً في القارة السمراء. فهي ليست حرباً على الموارد فحسب، بل هي صراع وجودي حول "اللغة" و"التاريخ" و"الهوية" في بلد انقسمت ذاكرته بين إرثين استعماريين: فرنسي وبريطاني.
 
يعود أصل الأزمة إلى عام 1961، عندما صوّت سكان المناطق التي كانت تخضع للانتداب البريطاني للانضمام إلى الكاميرون التي كانت تخضع للانتداب الفرنسي، لتشكيل دولة اتحادية.
 
لكن في عام 1972، تم إلغاء النظام الاتحادي لصالح "الدولة المركزية"، وهو ما اعتبره الأنجلوفون (الناطقون بالإنجليزية) بداية لسياسة "التهميش والفرنسة".
 
اندلع النزاع الحالي في أكتوبر 2016، عندما خرج محامون ومعلمون ناطقون بالإنجليزية في احتجاجات سلمية رفضاً لتعيين قضاة ومعلمين لا يتحدثون لغتهم في مناطقهم. قوبلت هذه الاحتجاجات بقمع أمني عنيف، مما دفع الحراك إلى الراديكالية؛ ففي أكتوبر 2017، أعلن الانفصاليون رمزياً استقلال "جمهورية أمبازونيا"، لتبدأ المواجهة المسلحة الشاملة.
 
أطراف النزاع: المواجهة المستمرة
القوات الحكومية: يقودها الجيش الكاميروني التابع للرئيس بول بيا، وتعتمد على التفوق العددي والعتاد العسكري الثقيل لإحكام السيطرة على المدن الكبرى والطرق الاستراتيجية.
 
الفصائل الانفصالية: مجموعات مسلحة غير موحدة القيادة (مثل قوات دفاع أمبازونيا ADF)، تعتمد تكتيك حرب العصابات في الغابات والمناطق الريفية، وتستخدم "العصيان المدني القسري" كوسيلة للضغط.
 
سلاح "المدن الشبح" وإغلاق المدارس
اتخذ الصراع منحىً خطيراً باستهداف القطاع التعليمي؛ حيث فرض الانفصاليون حظراً على المدارس الحكومية، معتبرين إياها أدوات لغسل الأدمغة باللغة الفرنسية. أدى ذلك إلى حرمان أكثر من 800 ألف طفل من التعليم لسنوات، وتحولت المدارس المهجورة إلى ثكنات عسكرية أو ساحات إعدام، مما خلق أزمة "جيل ضائع" بالكامل.
 
رغم محاولات الوساطة الدولية والكنيسة الكاثوليكية، لا يزال الحل السياسي بعيد المنال. فالحكومة ترفض التنازل عن مبدأ "الدولة الموحدة"، والانفصاليون يرفضون أي سقف دون الاستقلال الكامل. ومع استمرار الجمود العسكري، يظل المواطن الكاميروني في المناطق الأنجلوفونية هو الضحية الكبرى لحربٍ بدأت بالكلمة والمطالب الحقوقية، وانتهت بالرصاص والدمار.