نادر شكري
في خطاب شامل أمام السلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي في ياوندي، أكد البابا لاوُن الرابع عشر أن تنوع الكاميرون الثقافي واللغوي ليس مصدر ضعف، بل “كنز حقيقي” يشكل أساسًا متينًا لبناء سلام دائم، داعيًا إلى تحويل هذا التنوع إلى قوة للوحدة والتعايش.
 
وأوضح البابا في كلمته أن رسالته إلى الكاميرون تحمل بُعدًا رعويًا وإنسانيًا، إذ جاء “كرسول للحوار والأخوّة والسلام”، مشددًا على أن العالم اليوم يعاني من الإحباط وتراجع الأمل، ما يستدعي جهودًا جماعية لإحياء روح العدالة والمشاركة وبناء الخير العام.
 
وأشار إلى أن الشعوب، وخاصة الشباب، تحتاج إلى فرص حقيقية للمشاركة في صياغة مستقبل أكثر عدلاً وإنصافًا، مؤكدًا أهمية تعزيز التعاون بين الكرسي الرسولي وجمهورية الكاميرون القائمة على احترام كرامة الإنسان والحرية الدينية.
 
كما استحضر البابا الزيارات السابقة لأسلافه إلى الكاميرون، معتبرًا أنها شكلت محطات تاريخية رسخت قيم المصالحة والعدالة، لكنها في الوقت نفسه تطرح تساؤلات حول مدى ترجمة تلك الرسائل إلى واقع ملموس في حياة المواطنين.
 
وتطرق إلى الأوضاع الأمنية في بعض مناطق البلاد، مشيرًا إلى ما خلفته النزاعات من معاناة إنسانية عميقة تشمل النزوح وفقدان الأرواح وتعطيل التعليم، داعيًا إلى سلام “مجرد من السلاح” يقوم على المحبة والعدالة وبناء الثقة، وليس على الخوف أو القوة.
 
وأكد أن السلام ليس قرارًا يُفرض بل مسار يُبنى تدريجيًا عبر عمل مشترك، تبدأ مسؤوليته من السلطات عبر الحكم الرشيد والاستماع للمواطنين، معتبراً أن خدمة الوطن هي التزام أخلاقي يقوم على العدالة والرحمة والابتعاد عن منطق التسلط.
 
وفي سياق حديثه عن المجتمع المدني، شدد على دوره الحيوي في تعزيز التماسك الوطني، مشيرًا إلى مساهمة الجمعيات والمنظمات النسائية والشبابية والدينية في الوساطة وحل النزاعات ودعم النازحين وبناء ثقافة الحوار.
 
وأشاد البابا بدور المرأة في المجتمع الكاميروني، واصفًا إياها بأنها “صانعة سلام لا تكل”، داعيًا إلى تمكينها الكامل في مواقع صنع القرار، ومكافحة الفساد وتعزيز الشفافية لاستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات.
 
كما أكد أهمية الاستثمار في الشباب عبر التعليم والتدريب وريادة الأعمال، محذرًا من أن البطالة والإقصاء يمثلان بيئة خصبة للعنف والهجرة وفقدان الأمل، مشددًا على أن تنمية الطاقات الشابة هي خيار استراتيجي للسلام والاستقرار.
 
واختتم البابا كلمته بالتأكيد على أن الكاميرون تمتلك المقومات البشرية والثقافية والروحية لتجاوز التحديات وبناء مستقبل مزدهر، داعيًا إلى تحويل جراح الماضي إلى مصادر للتجديد، وخاتمًا بالدعاء بأن يبارك الله الكاميرون وشعبها ويهدي قادتها إلى طريق العدالة والسلام.
 
وكان  قداسة البابا  وصل إلى العاصمة الكاميرونية ياوندي عند الساعة الثانية وسبع وخمسين دقيقة، بعد الظهر، حيث حظي باستقبال رسمي حافل في مطار ياوندي الدولي بحضور السفير البابوي ورئيس الوزراء، في مشهد عكس عمق الترحيب الأفريقي، وتخللته لفتة رمزية بتقديم طفلين باقات من الزهور. وبعد استعراض حرس الشرف، توجه الموكب البابوي إلى القصر الرئاسي حيث استقبله الرئيس بول بيا في زيارة مجاملة، تخللتها مراسم رسمية ولقاء خاص وتبادل للهدايا.