د. ماجد عزت إسرائيل
منذ فجر الإيمان المسيحي، ارتبطت رسالة الإنجيل ارتباطًا وثيقًا بالسلام، ليس كفكرة نظرية أو شعار عابر، بل كطريق حياة يُترجم في سلوك الإنسان وعلاقاته مع الآخرين. فالمسيحية تدعو الإنسان أن يعيش في سلام مع نفسه ومع غيره، وأن يسعى جاهدًا إلى نشر روح المحبة بدلًا من الصراع، لأن السلام هو انعكاس لحضور الله في القلب. ولهذا يؤكد الكتاب المقدس: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ" (رومية 12: 18)، في دعوة صريحة لتحمّل مسؤولية السلام مهما كانت التحديات. ولا يقتصر السلام في المفهوم المسيحي على غياب الحرب، بل يمتد ليشمل سلام القلب والفكر، حيث يقول الرسول: "عِيشُوا بِالسَّلاَمِ، وَإِلهُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلاَمِ سَيَكُونُ مَعَكُمْ" (2 كورنثوس 13: 11)، رابطًا بين السلام وحضور الله ذاته. ومن هنا يصبح السلام اختيارًا روحيًا عميقًا، حتى في أبسط تفاصيل الحياة، إذ يعلّمنا الكتاب أن "لُقْمَةٌ يَابِسَةٌ وَمَعَهَا سَلاَمَةٌ، خَيْرٌ مِنْ بَيْتٍ مَلآنٍ ذَبَائِحَ مَعَ خِصَامٍ" (أمثال 17: 1)، في إشارة إلى أن السلام أثمن من الوفرة المادية حين تغيب المحبة.
وفي خضمّ هذه الصراعات العالمية، يبرز التباين بين الدعوة الروحية إلى السلام، التي عبّر عنها البابا لاون مؤكدًا أن السلام هو الطريق الحقيقي للحياة، وبين بعض الرؤى السياسية التي تميل إلى منطق القوة والردع في إدارة الأزمات، كما يظهر في مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فهذا التباين لا يعكس خلافًا شخصيًا، بل اختلافًا في المنهج، بين رؤية تُعلي من شأن الحوار والمصالحة، وأخرى ترى أن الحسم قد يتحقق عبر القوة. غير أن الرسالة المسيحية تظل ثابتة، داعيةً إلى اختيار السلام طريقًا، لأن السلام وحده هو القادر على تحقيق استقرار حقيقي ودائم بين الشعوب.
وتتجلى هذه الدعوة بوضوح في وصايا الله التي تحث الإنسان على الابتعاد عن الشر والسعي وراء الخير، كما جاء: "حِدْ عَنِ الشَّرِّ، وَاصْنَعِ الْخَيْرَ. اطْلُبِ السَّلاَمَةَ، وَاسْعَ وَرَاءَهَا" (مزمور 34: 14)، وهي دعوة مستمرة لا تقتصر على موقف عابر، بل تتطلب جهدًا دائمًا وسعيًا حقيقيًا. فالإنسان الوديع، بحسب المفهوم الإنجيلي، هو من يحمل في داخله هذا السلام، ولذلك "الْوُدَعَاءُ... يَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَةِ" (مزمور 37: 11). وعندما أرسل السيد المسيح تلاميذه، وضع السلام في صميم رسالتهم، إذ قال: "وَحِينَ تَدْخُلُونَ الْبَيْتَ سَلِّمُوا عَلَيْهِ" (متى 10: 13)، ليكون السلام أول ما يُقدَّم للآخرين، كعلامة على حضور الملكوت. بل إن السلام يرتبط أيضًا بطاعة وصايا الله، لأن "لِيَحْفَظْ قَلْبُكَ وَصَايَايَ... فَإِنَّهَا... تُزِيدُكَ... سَلاَمَةً" (أمثال 3: 1-2)، مما يؤكد أن السلام ثمرة حياة روحية مستقيمة.
وفي ميلاد المسيح نفسه، أعلنت السماء هذه الحقيقة العظمى: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ" (لوقا 2: 14)، ليكون السلام هو العطية الإلهية للعالم، وعلامة الخلاص لكل الشعوب. ولذلك استطاع سمعان الشيخ أن يقول: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ... بِسَلاَمٍ" (لوقا 2: 29)، لأنه عاين هذا الخلاص الذي يمنح الإنسان سلامًا حقيقيًا يتجاوز كل اضطراب. وهكذا، يظهر بوضوح أن السلام في المسيحية ليس خيارًا ثانويًا، بل هو جوهر الإيمان، ونداء مستمر لكل إنسان أن يعيش في محبة، ويسعى إلى المصالحة، ويرفض العنف مهما كانت أسبابه. فحيث يوجد الله، يوجد السلام، وحيث يغيب السلام، يغيب حضور الله في حياة الإنسان.
وهكذا، يبقى السلام في المسيحية ليس مجرد دعوة أخلاقية، بل التزام روحي عميق يواجه منطق العنف مهما اشتدّ، ويقدّم للإنسان طريقًا مختلفًا وسط عالم مضطرب. ففي زمنٍ ترتفع فيه أصوات السلاح، يظل صوت الإنجيل هادئًا لكنه أقوى، يعلن أن السلام ليس ضعفًا، بل قوة قادرة على تغيير القلوب وبناء الأمم. إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في امتلاك القوة، بل في القدرة على استخدامها بحكمة، أو التنازل عنها من أجل حياة الإنسان وكرامته. فالتاريخ لا يخلّد من أشعل الحروب، بل من أوقفها، ولا يذكر من انتصر بالقوة، بل من انتصر للإنسان.لذلك، تظل دعوة المسيحية واضحة وحاسمة: أن نختار السلام، لا كخيار بين خيارات، بل كطريق وحيد للحياة، لأن حيث يكون السلام… يكون الله حاضرًا.





