الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ
 
مَا هِيَ الغَيْرَةُ؟
أَوَّلًا ـ تَعْرِيفُ الغَيْرَةِ:
  الغَيْرَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ يُتَّكَلُ عَلَيْهِ، غَيْرُ الخِبْرَاتِ السَّلْبِيَّةِ المَاضِيَةِ وَالخَاطِئَةِ الَّتِي عِشْتَهَا وَمَرَرْتَ بِهَا...
 
  الغَيْرَةُ نَوْعٌ مِنَ التَّمَلُّكِ، وَأُسْلُوبٌ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ السَّيْطَرَةِ بِاسْمِ الحُبِّ، وَتَعْبِيرٌ عَنْ مَشَاعِرِنَا اتِّجَاهَ مَنْ نُحِبُّ، وَهِيَ نَتِيجَةُ خِبْرَاتٍ سَلْبِيَّةٍ سَابِقَةٍ، وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِالآخَرِ.
 
  فَنَغَارُ عَلَيْهِمْ حَتَّى مِنْ نَسَمَةِ هَوَاءٍ، نُحِبُّ وُجُودَهُمْ بِجَانِبِنَا، وَنَرْفُضُ مُشَارَكَتَهُمْ مَعَ أَحَدٍ، كُلُّ مَا نَفْعَلُهُ يَكُونُ مِنْ أَجْلِهِمْ وَمِنْ أَجْلِ بَقَائِهِمْ بِقُرْبِنَا، وَلَكِنَّهَا فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ تُصْبِحُ خَانِقَةً وَمُؤْلِمَةً وَجَارِحَةً إِذَا اسْتُخْدِمَتْ بِطَرِيقَةٍ خَاطِئَةٍ، فَتَكُونُ نَتِيجَتُهَا الابْتِعَادَ وَالفِرَاقَ، لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِاعْتِدَالٍ دُونَ مُبَالَغَةٍ.
 
  تَرْتَبِطُ الغَيْرَةُ بِعِدَّةِ مَشَاعِرَ مُعَقَّدَةٍ تَتَمَلَّكُ المَرْءَ وَتُسَبِّبُ لَهُ عَدَمَ الرَّاحَةِ وَالانْزِعَاجَ أَحْيَانًا، وَهِيَ تَنْبُعُ مِنْ إِحْسَاسِهِ بِالخَوْفِ، وَالتَّنَافُسِ، وَانْعِدَامِ الأَمْنِ، أَوْ عَدَمِ الثِّقَةِ، وَالشَّكِّ، وَبِالتَّالِي يَحْدُثُ الغَضَبُ وَالشُّعُورُ بِالإِذْلَالِ، فَقَدْ تَجْعَلُهُ يَخْشَى دَائِمًا فَقْدَانَ وَخَسَارَةَ مَا لَدَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ مُمْتَلَكَاتٍ شَخْصِيَّةً أَوْ أَشْخَاصًا مُقَرَّبِينَ لَهُ، أَوْ أَنْ يَرْغَبَ بِشِدَّةٍ بِامْتِلَاكِ شَيْءٍ يَمْتَلِكُهُ الآخَرُونَ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَاهِيَّتِهِ، وَقَدْ تَتَطَوَّرُ إِلَى الشُّعُورِ بِالحَسَدِ اتِّجَاهَهُمْ، وَهُنَا يُصْبِحُ المَرْءُ مُضْطَرِبَ الفِكْرِ وَمُشَتَّتَ التَّرْكِيزِ، وَغَيْرَ صَافِي الذِّهْنِ؛ بِسَبَبِ سِلْسِلَةِ المَشَاعِرِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي تَسْكُنُهُ.
 
  يَشْعُرُ النَّاسُ بِالْغَيْرَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَعْمَارِهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا، وَلَا تَنْحَصِرُ الغَيْرَةُ فِي العَلَاقَاتِ الرُّومَانْسِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ تَظْهَرُ بَيْنَ الإِخْوَةِ وَزُمَلَاءِ العَمَلِ وَالأَصْدِقَاءِ.
 
  يَشْعُرُ النَّاسُ بِالْغَيْرَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَعْمَارِهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا، وَفِي الحَقِيقَةِ لَا تَنْحَصِرُ الغَيْرَةُ فِي العَلَاقَاتِ الرُّومَانْسِيَّةِ فَقَطْ، حَيْثُ إِنَّهَا شَائِعَةٌ بَيْنَ الإِخْوَةِ فِي تَنَافُسِهِمْ عَلَى انْتِبَاهِ وَاهْتِمَامِ وَالِدَيْهِمْ، كَمَا أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ بَيْنَ زُمَلَاءِ العَمَلِ وَحَتَّى بَيْنَ الأَصْدِقَاءِ.
 
وَلَا يُمْكِنُ الخَلْطُ بَيْنَ الشُّعُورِ بِالْحَسَدِ وَالشُّعُورِ بِالْغَيْرَةِ؛ إِذْ يَكُونُ الحَسَدُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ يَرْغَبُ أَحَدُهُمَا فِيمَا لَدَى الآخَرِ، أَمَّا الغَيْرَةُ فَتَتَضَمَّنُ طَرَفًا ثَالِثًا يُنْظَرُ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ مُنَافِسٌ عَلَى الحُبِّ أَوِ الاهْتِمَامِ. وَالْغَيْرَةُ مُؤْلِمَةٌ، وَهِيَ سَلْبِيَّةٌ فِي كُلِّ الأَحْيَانِ؛ فَهِيَ خَلِيطٌ مِنَ الخَوْفِ، وَالقَلَقِ، وَعَدَمِ الأَمَانِ، وَالحُزْنِ، وَالِاسْتِيَاءِ، وَيُمْكِنُهَا التَّسَبُّبُ فِي نِهَايَةِ العَلَاقَاتِ، بِالإِضَافَةِ إِلَى مَا تُسَبِّبُهُ مِنْ ضَغْطٍ عَاطِفِيٍّ لِلشَّخْصِ الغَيُورِ.
 
  عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِ الغَيْرَةِ تَجْرِبَةً عَاطِفِيَّةً مُؤْلِمَةً، إِلَّا أَنَّهَا مُهِمَّةٌ وَقَدْ تَكُونُ طَبِيعِيَّةً، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ تُتْرَكَ بِدُونِ ضَبْطٍ أَوْ وَعْيٍ. وَيَجْدُرُ التَّنْوِيهُ هُنَا إِلَى اخْتِلَافِ الغَيْرَةِ عَنِ الحَسَدِ اخْتِلَافًا كُلِّيًّا؛ حَيْثُ تَتَمَيَّزُ الغَيْرَةُ بِالشُّعُورِ بِالتَّهْدِيدِ مِنْ دُخُولِ طَرَفٍ ثَالِثٍ فِي العَلَاقَةِ، أَمَّا الحَسَدُ فَيَحْدُثُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ فَقَطْ يَتَمَنَّى فِيهِ أَحَدُهُمَا مَا عِنْدَ الآخَرِ.
 
وَعِنْدَمَا تُهَاجِمُ الغَيْرَةُ العَلَاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ تُصْبِحُ خَطَرًا يُهَدِّدُ أَمْنَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا، خَاصَّةً إِذَا زَادَتْ عَنْ حَدِّهَا وَكَانَتْ بِدُونِ مُبَرِّرَاتٍ وَاضِحَةٍ، وَقَدْ تُسَبِّبُ مَشَاكِلَ بَيْنَ أَطْرَافِ تِلْكَ العَلَاقَاتِ، وَتَصْنَعُ فَجْوَةً كَبِيرَةً بَيْنَهُمْ، وَبِالتَّالِي لَا بُدَّ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنْهَا أَوْ عِلَاجِهَا.
 
الغَيْرَةُ: 
الجُزْءُ الثَّانِي وَالجُزْءُ الثَّالِثُ
ثَانِيًا ـ أَسْبَابُ الغَيْرَةِ:
تَخْتَلِفُ أَسْبَابُ الغَيْرَةِ كَمَا تَخْتَلِفُ مَشَاعِرُهَا مِنْ شَخْصٍ لِآخَرَ، وَتَتَعَدَّدُ أَسْبَابُهَا وَأَنْوَاعُهَا، وَمِنْ تِلْكَ الأَسْبَابِ مَا يَأْتِي:
1 ـ الشُّعُورُ بِعَدَمِ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ، وَبِالخَوْفِ وَالقَلَقِ:
  يُمْكِنُ أَنْ تَرْتَبِطَ الغَيْرَةُ بِشُعُورِ المَرْءِ بِالخَوْفِ وَالتَّهْدِيدِ، وَمِنْ مَظَاهِرِ هَذَا الخَوْفِ مَا يَأْتِي:
أ ـ الخَوْفُ مِنْ أَنْ يَحِلَّ شَخْصٌ مَكَانَ المَرْءِ نَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يُسْتَبْدَلَ بِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ طَرَفٍ آخَرَ فِي بَعْضِ العَلَاقَاتِ، كَخَوْفِ الطِّفْلِ أَنْ يُحِبَّ أَهْلُهُ الشَّقِيقَ الجَدِيدَ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ خَوْفِ الحَبِيبِ مِنْ أَحَدِ الأَصْدِقَاءِ أَنْ يَسْرِقَ حَبِيبَتَهُ وَيَأْخُذَ مَكَانَهُ، وَغَيْرِهَا...
 
ب ـ انْعِدَامُ الأَمَانِ لَدَى المَرْءِ، وَشُعُورُهُ الدَّائِمُ بِالقَلَقِ وَالخَوْفِ مِنْ فَقْدَانِ شَخْصٍ عَزِيزٍ عَلَى قَلْبِهِ، أَوْ تَمَسُّكُهُ بِهِ بِشِدَّةٍ، وَغَيْرَتُهُ عَلَيْهِ، خَاصَّةً بَعْدَ المُرُورِ بِتَجْرِبَةِ فَقْدَانِ شَخْصٍ آخَرَ كَانَتْ لَهُ مَكَانَةٌ مُمَيَّزَةٌ فِي نَفْسِهِ، فَيَخْشَى تَكْرَارَ الأَلَمِ.
 
2 ـ غَرِيزَةُ المُنَافَسَةِ لَدَى المَرْءِ:
يَتَنَافَسُ الأَشْخَاصُ بِطَبِيعَةِ الحَالِ لِلْحُصُولِ عَلَى الشَّيْءِ الأَفْضَلِ، وَامْتِلَاكِ مَا يَتَمَنَّوْنَهُ، وَوُجُودُ مُنَافِسٍ قَوِيٍّ يُهَدِّدُ إِمْكَانِيَّةَ حُصُولِ المَرْءِ عَلَى حَاجَتِهِ قَدْ يُوَلِّدُ لَدَيْهِ مَشَاعِرَ غَيْرَةٍ كَبِيرَةً، تَزِيدُ مِنْ رُوحِ المُنَافَسَةِ وَالاجْتِهَادِ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا الأَمْرُ قَدْ يَنْتُجُ عَنْهُ جَانِبَانِ، وَهُمَا:
 
أ ـ شُعُورٌ إِيجَابِيٌّ: وَيَكُونُ مِنْ خِلَالِ سَعْيِ المَرْءِ وَاجْتِهَادِهِ وَعَمَلِهِ بِجِدٍّ لِنَيْلِ مَقْصِدِهِ، وَالفَوْزِ عَلَى مُنَافِسِهِ، وَإِثْبَاتِ جَدَارَتِهِ فِي تَحْقِيقِ هَدَفِهِ.
 
ب ـ شُعُورٌ سَلْبِيٌّ: حَيْثُ يُؤَثِّرُ هَذَا الجَانِبُ عَلَى أَدَاءِ الشَّخْصِ، خَاصَّةً إِذَا سَيْطَرَتْ مَشَاعِرُ الغَيْرَةِ عَلَى تَفْكِيرِهِ؛ فَبِالتَّالِي قَدْ يُهْدِرُ طَاقَتَهُ، وَيُشَتِّتُ تَرْكِيزَهُ، وَيَشْعُرُ بِالقَلَقِ عِنْدَمَا يُفَكِّرُ بِالطَّرَفِ الآخَرِ بِشَكْلٍ دَائِمٍ، وَبِإِمْكَانِيَّاتِهِ، وَيُقَارِنُهُ بِنَفْسِهِ بِطَرِيقَةٍ تُبْعِدُهُ عَنِ الهَدَفِ الرَّئِيسِيِّ الَّذِي أَرَادَ الحُصُولَ عَلَيْهِ.
 
3 ـ نَقْصُ الاهْتِمَامِ وَفَقْدَانُ العَاطِفَةِ:
  قَدْ يُسَبِّبُ عَدَمُ حُصُولِ المَرْءِ عَلَى الاهْتِمَامِ الكَافِي غَيْرَتَهُ مِنَ الأَشْخَاصِ الآخَرِينَ مِنْ حَوْلِهِ، خَاصَّةً عِنْدَمَا يُشَاهِدُهُمْ يَتَلَقَّوْنَ الحُبَّ وَالاهْتِمَامَ وَالعَاطِفَةَ الدَّافِئَةَ الَّتِي يَفْتَقِدُهَا، وَيَرْغَبُ بِشِدَّةٍ فِي الحُصُولِ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا الاهْتِمَامِ عِدَّةُ مَظَاهِرَ تُسَبِّبُ الغَيْرَةَ، وَمِنْهَا:
 
أ ـ انْعِدَامُ التَّوَاصُلِ الجَيِّدِ مَعَ الآخَرِينَ حَوْلَ المَرْءِ، وَتَدَنِّي جَوْدَةِ العَلَاقَاتِ، مِمَّا يُشْعِرُهُ بِالغَيْرَةِ وَالخَوْفِ مِنِ ابْتِعَادِهِمْ عَنْهُ وَاخْتِيَارِ شَرِيكٍ غَيْرِهِ.
 
ب ـ التَّقْصِيرُ مِنْ قِبَلِ الطَّرَفِ الآخَرِ فِي العَلَاقَةِ، وَافْتِقَارُ المَرْءِ لِلاهْتِمَامِ وَالعَاطِفَةِ، مِمَّا يُسَبِّبُ عَدَمَ شُعُورِهِ بِالاطْمِئْنَانِ؛ وَبِالتَّالِي قَدْ يَشْعُرُ بِالغَيْرَةِ عِنْدَمَا يُلَاحِظُ اهْتِمَامَهُ بِشَخْصٍ غَيْرِهِ وَمُبَادَلَتَهُ العَاطِفَةَ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ حَلَّ مَكَانَهُ.
 
ج ـ حُدُودِيَّةُ العَلَاقَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تَرْبِطُ الشَّخْصَ بِالآخَرِينَ، حَيْثُ إِنَّ العَلَاقَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ تَكُونُ الأَقْوَى، وَفَوْرَ وُجُودِ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ فِي السَّاحَةِ يُحَاوِلُونَ الاقْتِرَابَ مِنْهُ، تَبْدَأُ مَشَاعِرُ الغَيْرَةِ بِالظُّهُورِ؛ بِسَبَبِ عَدَمِ الاعْتِيَادِ عَلَى اخْتِلَاطِهِ بِغَيْرِهِ.
 
4 ـ أَسْبَابٌ أُخْرَى لِلْغَيْرَةِ:
  يُمْكِنُ أَنْ تَنْشَأَ الغَيْرَةُ لَدَى المَرْءِ نَتِيجَةَ عِدَّةِ أَسْبَابٍ أُخْرَى، وَمِنْهَا:
أ ـ عَدَمُ تَلْبِيَةِ احْتِيَاجَاتِ المَرْءِ فِي المَرَاحِلِ المُبَكِّرَةِ مِنْ طُفُولَتِهِ وَنَشْأَتِهِ، وَالَّتِي يُفْتَرَضُ أَنْ يُقَدِّمَهَا الأَشْخَاصُ المُقَرَّبُونَ لَهُ، كَوَالِدَيْهِ مَثَلًا، فَتَنْمُو لَدَيْهِ مَشَاعِرُ الغَيْرَةِ وَالرَّغْبَةُ فِي الحُصُولِ عَلَى مَا فَقَدَهُ فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ.
 
ب ـ قَدْ تَكُونُ الغَيْرَةُ طَبْعًا فِي شَخْصِيَّةِ المَرْءِ، وَصِفَةً رَاسِخَةً فِيهِ بِدُونِ سَبَبٍ وَاضِحٍ، لَكِنْ يُمْكِنُهُ مُحَاوَلَةُ السَّيْطَرَةِ عَلَيْهَا، وَجَعْلُهَا صِفَةً غَيْرَ مُؤْذِيَةٍ لَا تُؤَثِّرُ عَلَى عَلاقَاتِهِ.
 
ج ـ عَدَمُ ثِقَةِ المَرْءِ بِنَفْسِهِ، أَوْ عَدَمُ احْتِرَامِهِ لِذَاتِهِ وَحُبِّهِ لَهَا، وَبِالتَّالِي شُعُورُهُ بِالنَّقْصِ وَمُقَارَنَتُهُ نَفْسَهُ بِالآخَرِينَ دَائِمًا، وَإِحْسَاسُهُ بِالغَيْرَةِ مِنْهُمْ.
 
د ـ قِيَامُ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ بِتَصَرُّفَاتٍ تُحَفِّزُ وَتُنَمِّي مَشَاعِرَ الغَيْرَةِ لَدَى الطَّرَفِ الآخَرِ، كَتَعَمُّدِ مُغَازَلَةِ الجِنْسِ الآخَرِ أَمَامَهُ، أَوِ التَّوَدُّدِ لَهُمْ، وَيَكْمُنُ الحَلُّ بِالمُصَارَحَةِ وَالاتِّفَاقِ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الثِّقَةِ، إِضَافَةً إِلَى وَضْعِ حُدُودٍ لِلْعَلَاقَاتِ مَعَ الآخَرِينَ وَالِالْتِزَامِ بِهَا؛ لِتَجَنُّبِ الشَّكِّ وَالغَيْرَةِ لَاحِقًا.
 
الغَيْرَةُ: 
الجُزْءُ الثَّالِثُ
ثَالِثًا ـ أَنْوَاعُ الغَيْرَةِ:
  تُقْسَمُ الغَيْرَةُ إِلَى قِسْمَيْنِ، وَهُمَا: الغَيْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ، وَالغَيْرَةُ غَيْرُ الطَّبِيعِيَّةِ، وَأَنْوَاعُهَا الشَّائِعَةُ هِيَ:
 
1 ـ الغَيْرَةُ فِي الحُبِّ:
  تَرْجِعُ الغَيْرَةُ فِي الحُبِّ أَحْيَانًا إِلَى شُعُورِ الشَّخْصِ اتِّجَاهَ نَفْسِهِ، مِثْلَ شُعُورِهِ بِانْعِدَامِ الأَمَانِ، أَوْ شُعُورِهِ بِأَنَّ الرَّفْضَ وَالخِيَانَةَ وَالأَلَمَ أُمُورٌ مُحْتَمَةٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَالِ لَمْ يَجِدِ الشَّخْصُ حُلُولًا لِهَذِهِ المَشَاعِرِ، فَإِنَّهُ سَيَشْعُرُ بِالغَيْرَةِ فِي أَيِّ عَلاقَةٍ يَمُرُّ بِهَا، مَهْمَا كَانَتْ ظُرُوفُهَا.
 
  وَمِنَ الجَدِيرِ بِالذِّكْرِ أَنَّ مَشَاعِرَ الغَيْرَةِ يُمْكِنُ أَنْ تَظْهَرَ فِي أَيِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ عَلاقَةِ الحُبِّ؛ فَقَدْ تَظْهَرُ فِي أَوَّلِهَا، أَوْ بَعْدَ مُرُورِ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ عَلَى الزَّوَاجِ. فَالْغَيْرَةُ فِي الحُبِّ مِنْ أَكْثَرِ أَنْوَاعِ الغَيْرَةِ الطَّبِيعِيَّةِ شُيُوعًا بَيْنَ النَّاسِ، وَأَكْثَرِهَا تَجْرِبَةً، وَعَادَةً مَا تَكُونُ السَّبَبَ فِي أَوَّلِ خِصَامٍ بَيْنَ الأَحِبَّةِ.
 
2 ـ الغَيْرَةُ بَيْنَ زُمَلَاءِ العَمَلِ:
  يَنْشَأُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الغَيْرَةِ بَيْنَ المُوَظَّفِينَ، فَتَحْدُثُ الغَيْرَةُ فِي مَكَانِ العَمَلِ حَوْلَ حُصُولِ بَعْضِهِمْ عَلَى التَّرْقِيَاتِ وَزِيَادَاتِ الرَّاتِبِ، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ القَضَايَا المُتَعَلِّقَةِ بِالعَمَلِ.
 
  وَنَتِيجَةً لِعَدَمِ تَقْدِيرِ عَمَلِ المُوَظَّفِ وَمَجْهُودِهِ، أَوْ تَرْقِيَةِ وَاحِدٍ مِنْ مَجْمُوعَةٍ مِنَ المُوَظَّفِينَ المُتَمَاثِلِينَ فِي الوَظِيفَةِ، أَوْ زِيَادَةِ رَاتِبِ أَحَدِهِمْ، يَشْعُرُ المُوَظَّفُ بِمَشَاعِرَ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ الغَيْرَةِ وَالغَضَبِ وَخَيْبَةِ الأَمَلِ.
 
  وَالغَيْرَةُ التَّنَافُسِيَّةُ طَبِيعِيَّةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِيجَابِيَّةً؛ إِذْ تُوَجِّهُ الشَّخْصَ نَحْوَ هَدَفِهِ وَمَا يَرْغَبُ بِهِ، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ سَلْبِيَّةً، فَتَجْعَلُ الشَّخْصَ يَنْتَقِدُ نَفْسَهُ أَوِ الآخَرِينَ، بِالإِضَافَةِ إِلَى الأَلَمِ الَّذِي تُسَبِّبُهُ، خَاصَّةً إِذَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهِ قَوِيَّةً جِدًّا، أَوْ تَنْطَوِي عَلَى الحَسَدِ.
 
3 ـ الغَيْرَةُ العَائِلِيَّةُ:
  يُعَدُّ التَّنَافُسُ الأَخَوِيُّ أَحَدَ أَكْثَرِ الأَمْثِلَةِ شُيُوعًا عَلَى الغَيْرَةِ العَائِلِيَّةِ؛ حَيْثُ يَحْصُلُ بَيْنَ الأَشِقَّاءِ مِنْ جَمِيعِ الأَعْمَارِ.
  وَتَحْدُثُ الغَيْرَةُ العَائِلِيَّةُ بَيْنَ الأَشِقَّاءِ نَتِيجَةً لِمُقَارَنَتِهِمْ وَتَنَافُسِهِمْ فِي الحُصُولِ عَلَى اهْتِمَامِ وَحَنَانِ الوَالِدَيْنِ، وَرَغْبَتِهِمْ فِي تَحْقِيقِ المَزِيدِ مِنَ الإِنْجَازَاتِ سَوَاءٌ
دِرَاسِيًّا أَوْ مِهْنِيًّا.
 
  وَيُعْتَبَرُ تَنَافُسُ الإِخْوَةِ أَمْرًا طَبِيعِيًّا فِي العَائِلَاتِ، حَيْثُ يَتَنَافَسُ الطِّفْلُ مَعَ إِخْوَتِهِ لِيَكُونَ طِفْلَ وَالِدَيْهِ المُفَضَّلَ. كَمَا تَظْهَرُ الغَيْرَةُ عِنْدَ وِلَادَةِ طِفْلٍ جَدِيدٍ فِي العَائِلَةِ، أَوْ عِنْدَ مُشَارَكَةِ الإِخْوَةِ فِي الأَلْعَابِ وَالمَلَابِسِ وَالغُرَفِ، خَاصَّةً عِنْدَمَا يَشْعُرُ أَحَدُهُمْ بِأَنَّ اهْتِمَامَ وَالِدَيْهِ بِهِ أَقَلُّ مِنِ اهْتِمَامِهِمْ بِإِخْوَتِهِ، أَوْ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَهُمْ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ عِنْدَ المُقَارَنَةِ السَّلْبِيَّةِ بَيْنَ الإِخْوَةِ.
 
4 ـ غَيْرَةُ الأَصْدِقَاءِ:
  تَنْتُجُ الغَيْرَةُ بَيْنَ الأَصْدِقَاءِ عَنْ خَوْفِ أَحَدِ الأَصْدِقَاءِ مِنْ فَقْدَانِ صَدِيقِهِ وَخَلِيلِهِ بِسَبَبِ دُخُولِ طَرَفٍ ثَالِثٍ فِي عَلاقَةِ الصَّدَاقَةِ الَّتِي تَجْمَعُهُمَا.
 
5 ـ الغَيْرَةُ غَيْرُ الطَّبِيعِيَّةِ:
  تَنْجُمُ الغَيْرَةُ غَيْرُ الطَّبِيعِيَّةِ عَادَةً عَنْ انْعِدَامِ الشُّعُورِ بِالأَمَانِ، وَعَدَمِ النُّضْجِ، وَضَعْفِ الوَعْيِ، وَفِي بَعْضِ الحَالَاتِ قَدْ تَحْدُثُ نَتِيجَةً لِأَحَدِ الأَمْرَاضِ العَقْلِيَّةِ، مِثْلَ: جُنُونِ العَظَمَةِ، أَوِ الفِصَامِ، أَوِ الاخْتِلَالِ الكِيمِيَائِيِّ فِي الدِّمَاغِ.
 
  وَتَنْدَرِجُ تَحْتَهَا مُسَمَّيَاتٌ عِدَّةٌ، مِثْلَ: الغَيْرَةِ المَرَضِيَّةِ، أَوِ الذُّهَانِيَّةِ، أَوِ الوَهْمِيَّةِ، وَسَبَبُهَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ العَوَامِلِ، مِنْهَا: انْعِدَامُ الأَمَانِ الحَادُّ، وَعَدَمُ النُّضْجِ، وَحُبُّ السَّيْطَرَةِ.
 
  فَعَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، إِنَّ مُمَارَسَةَ السَّيْطَرَةِ عَلَى الشَّرِيكِ تَرْتَبِطُ بِمَخَاوِفِ الشَّخْصِ الوَهْمِيَّةِ مِنْ خِيَانَتِهِ، وَقَدْ تَنْتُجُ هَذِهِ الغَيْرَةُ عَنْ أَمْرَاضٍ عَقْلِيَّةٍ، مِثْلَ: الفِصَامِ، وَاضْطِرَابِ كِيمِيَاءِ الدِّمَاغِ، وَالبَارَانُوْيَا (جُنُونِ الارْتِيَابِ)، حَيْثُ تُسَبِّبُ أَوْهَامَ الخِيَانَةِ وَالشَّكَّ، وَبِالتَّالِي الشُّعُورَ بِالغَيْرَةِ.
 
6 ـ الغَيْرَةُ الرُّومَانْسِيَّةُ:
  تُعَدُّ الغَيْرَةُ الرُّومَانْسِيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ أَنْوَاعِ الغَيْرَةِ حُدُوثًا بَيْنَ الأَفْرَادِ، وَتُعْتَبَرُ السَّبَبَ الأَوَّلَ لِحُدُوثِ الخِلَافَاتِ وَالمَشَاكِلِ بَيْنَ الأَحِبَّةِ؛ وَذَلِكَ نَتِيجَةً لِلرَّوَابِطِ العَاطِفِيَّةِ القَوِيَّةِ الَّتِي تُعَرِّضُ أَصْحَابَهَا لِتَحَطُّمِ القُلُوبِ.
 
  وَقَدْ أَثْبَتَتْ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ أَنَّ مَشَاعِرَ الخَوْفِ وَعَدَمِ الأَمَانِ وَالضَّعْفِ تَزُولُ عِنْدَ دُخُولِ الشَّخْصِ فِي عَلاقَةٍ وَوُقُوعِهِ فِي الحُبِّ، لَكِنَّهُ عِنْدَ شُعُورِهِ بِوُجُودِ أَيِّ تَهْدِيدٍ لِلعَلاقَةِ ـــ حَتَّى لَوْ كَانَ وَهْمِيًّا ـــ تَعُودُ إِلَيْهِ مَشَاعِرُ عَدَمِ الأَمَانِ، وَقَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَشَاعِرِ انْتِقَامٍ.