(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
(من مقالٍ نُشِر في "مجلّة الصّلاح"، عدد مايو-يونيو 2024)
2. أَحْزَانٌ واقِعيّة أمام المصْلوب القَائم


لقد قرّر هذا "الإنسانُ المسيحيّ المعاصر" أنْ يذهب أخيرًا إلى يسوع النّاصريّ، مصلوبِ الجلجثة القائم مِن بين الأموات! وعندما أخذ الطّريقَ ليذهب إلي قبره الفارغ ليتأمّل في قيامته وفحواها ومغزاها، وجد نفسه يعبر أمام صليبه، وعندئذٍ طرح نفسه على الأرض، وسجد أمام المصلوب القائم. وفتح فمه لينطق بكلماتٍ لم يملك الشَّجاعة قبلًا لقولها، ولكنه قدَّمها صلاةً صادقةً: «أيّها القائم والمنتصر على الموت والخطيئة والشّرّ، لماذا تفرح أنتَ اليوم، بينما أنا لا أزال في أحزاني؟! ولماذا يغمرك الفرحُ العظيم لانتصارك المجيد الذي حقَّقته ظافرًا، ولقدرتك على تأسيس كنيستك، وضمّها إليك، وتطهيرها لك عروسًا نقيّة إلى الأبد (أف 6/ 26)؛ بينما أنا اليوم أتألّم وأتوجّع مِن أحزاني التى سببُها انفصال وفراق الأحباب عني؟! فأنا هنا وحدي أعاني آلام الوحدة والأوجاع المتباينة! هل ينبغي عليَّ الآن أنْ أكونَ مثل يوحنّا المعمدان الذي فرح لفرح صديقه العريس (يو 3/ 29)؟!

لماذا، أيّها المصلوب القائم، لماذا تركوني وخانوني مَن أحببّتهم حُبًّا جمًّا أيضًا؟ ولماذا يعتذرون لى اليوم عُذرًا رخيصًا غير صادقٍ؟ ألم تكن أنتَ السّببَ في هذا كلِّه؟! أجل، فأنا اتّبعتُك وقبلتُ حملَ صليبك لأبلغ مِن خلاله إلى القيامة المجيدة؛ ومن أجل هذا تركتُ كلَّ شيء أملكه، سواء كان أهلي أو أصدقائي أو أحبائي، لا وبل حتّى ذاتي! فربّما لو كنتُ بجوارهم الآن لما كانت تهاجمني هذه الأحزان كلُّها؟! قل لي: لماذا حدث هذا التّباعد والتَّرك المرير؟ لقد تركوني لأنَّني لم أكن بجوارهم، ولم أكن معهم بجسدي، فالإنسانُ يبحث دائمًا عمّا هو محسوس وملموس وسهل المنال والتّحكُّم فيه! ومِن ناحية أخرى، لماذا يشعر أحبائي بآلام المسافات أيضًا؟ ولماذا في هذه الأيام المُفرحة والمبهجة يتعذّب الأبرياء من جرّاء آلام أحبّائهم؟! ولماذا ثمّة عائلات برّمتها لا تنعم بالسّعادة والهَنَاء؟! ولماذا يفرح بعضُهم بقيامتك، بينما في بيوت عدّة لا يوجد فرحٌ، وإنَّما الأحزان والآلام والمعاناة، لأسباب متنوّعة، ومنها موت الأحبّاء، ومفارقتهم لهم جسديًّا ومعنويًّا؟!

ولكن، ومع ذلك، دعنى ودعك، أيّها القائم المنتصر، مِن أحزاني الشَّخصيّة والعائليّة اليَوميّة، لنتركها جانبًا؛ فقل لي بحقّ السّماء: لماذا رغم قيامتك وانتصارك على الموت والخطيئة والشّرّ، ورغم أنَّك حملتَ عن الإنسان الآلام والأحزان، لا يزال هنالك مَن يعيشون في الأوجاع والدّموع والصّراعات؟ ولماذا يتألّم الأبرياء المسالمون (حتّى الأطفال منهم) بدون سببٍ ذاتيّ أو مسؤوليّة شخصيّة؟ أيجب عليهم أنْ يقبلوا ويستسلموا، حتّى يرثوا ملكوتك السّمائي المستقبليّ؟ ولماذا هذه الحروب والمعارك والنّزاعات العنيفة القائمة هنا وهناك، فيموتون من جرَّائها ضحايا يوميًّا، وتخلّف وراءها المجاعات والضّيقات والأزمات؟ ولماذا هذه الأوبئة الفَتَّاكة والزّلازل والهزات الأرضيّة والفيضانات التى تقتل بلا رحمة الأبراء؟! وبإيجازٍ، لماذا ثمّة "شرٌّ" في العالم البشريّ والطّبيعة؟ وهل السّبب في هذا كلّه هو الخطيئة وحرّيّة الإنسان؟ ألم تنتصر بصليبك وقيامتك على الموت والخطيئة والشّرّ؟! 

قل لى بحقِ قيامتك المجيدة، أيّها المسيح القائم المنتصر: كيف يمكنني أنْ أفرحَ هذا العام بينما ثمّة مَن يحزنون ويعانون الأمَرَّيْن؟ أليس هم أيضًا إخوتي وأخواتي في البشريّة– أيًّا كانت دياناتهم ومعتقداتهم؟ إنَّني أسألك اليوم بحزنٍ مقدّس: هل لا يزال هنالك مجالٌ للحديث عن أفراح القيامة بعد هذه الأحداث والوقائع كلّها؟ أم أنَّ أفراح قيامتك هي فقط لمَن يعيشون في رخاءٍ وازدهار، ولا تقلقهم صعوباتٌ وضيقاتٌ؟! وهل لا يزال هنالك مكانٌ للفقراء والجائعين والبائسين والمهمّشين والحَزَانَى، لينعموا ويفرحوا هم أيضًا كالآخرين بقيامتك؟!».

(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)