نادر شكري
في ظل تصاعد الضغوط على الوجود المسيحي في القدس، تتزايد التحذيرات من تداعيات إجراءات إسرائيلية تمسّ بشكل مباشر الملكيات الكنسية والمنظومة التعليمية، ما يهدد الاستمرارية الجغرافية والاجتماعية للمجتمع المسيحي في المدينة المقدسة.
وفي هذا السياق، حذّر جورج عكروش، مدير مكتب التطوير والتنمية في البطريركية اللاتينية في القدس، من مجموعة سياسات متزامنة تستهدف الأرض والإنسان، معتبراً أنها تمهّد لواقع جديد قد يؤثر على الحضور المسيحي التاريخي في القدس.
وتأتي هذه التحذيرات بالتوازي مع مواقف سابقة للكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، الذي عبّر عن قلقه من تداعيات إجراءات تتعلق بتسجيل الأراضي وعدم الاعتراف بالمؤهلات الأكاديمية الفلسطينية، مشيراً إلى تعقيد الوضع القانوني للأراضي غير المسجلة منذ ما قبل عام 1967.
تهديد الملكيات
وفي ما يتعلق بملف الأراضي، أشار عكروش إلى قرار الحكومة الإسرائيلية الصادر في فبراير 2026 باستئناف تسوية وتسجيل الأراضي غير المسجلة، موضحاً أن هذا الإجراء، رغم طابعه القانوني، قد يُستخدم لإعادة تصنيف مساحات واسعة كـ«أراضي دولة»، ما يفتح المجال أمام مصادرة أملاك خاصة وكنسية.
وأوضح أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تغيير الواقع القائم على الأرض، محذراً من سيناريوهات مشابهة لما يحدث في الخليل، حيث يسهم إدخال مجموعات استيطانية إلى داخل الأحياء الفلسطينية في خلق بؤر توتر دائمة تؤثر على الحياة اليومية والاقتصاد المحلي وتُضعف النسيج الاجتماعي.
كما لفت إلى أن هذه السياسات قد تسهم في عزل القدس عن امتدادها الطبيعي في بيت لحم ورام الله، بما يحمله ذلك من تداعيات على وحدة المجتمع واستمراريته.
تحديات تربوية
وعلى صعيد التعليم، وصف عكروش قرار عدم الاعتراف بالمؤهلات الأكاديمية الصادرة عن الجامعات الفلسطينية للمعلمين في القدس بأنه «تحدٍ خطير» يهدد هوية المؤسسات التعليمية، خاصة المدارس المسيحية.
وأشار إلى أن هذا الواقع يضع هذه المدارس أمام خيارات صعبة، إما تغيير مناهجها أو فقدان كوادرها المؤهلة، مؤكداً أن المؤسسات التعليمية الكنسية تؤدي رسالة تربوية وإنسانية تتجاوز حدود الانتماء الديني.
بدوره، أشار الكاردينال بيتسابالا إلى أزمة متفاقمة في صفوف المعلمين، موضحاً أن مئات المعلمين القادمين من بيت لحم لم يعودوا قادرين على الوصول إلى مدارسهم في القدس، ما ينعكس سلباً على العملية التعليمية واستقرار المدارس.
وكشف عكروش أن منع 232 معلماً من الوصول إلى أماكن عملهم أثّر بشكل مباشر على 12 مدرسة مسيحية، لافتاً إلى أن هؤلاء يشكّلون العمود الفقري للعملية التعليمية، وأن تعويض هذا النقص في الخبرات قد يستغرق سنوات طويلة.
دور المؤسسات الكنسية
وأوضح عكروش أن المؤسسات المسيحية، التي يبلغ عددها نحو 300 مؤسسة، تلعب دوراً محورياً في المجتمع، إذ تقدم خدمات تعليمية وصحية واجتماعية لشرائح واسعة من الفلسطينيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية.
وأضاف أن هذه المؤسسات تمثل جزءاً أساسياً من البنية الاجتماعية في الأرض المقدسة، مشدداً على أن استهدافها لا يقتصر على الجانب الديني، بل يمتد إلى التأثير على المجتمع ككل.
تداعيات أوسع
وأشار إلى أن هذه التطورات تأتي في ظل تراجع الاهتمام الدولي، نتيجة انشغال العالم بأزمات إقليمية متعددة، ما يقلل من حجم المتابعة والضغط الدولي.
كما استعاد تجربة إغلاق كنيسة القيامة عام 2018 احتجاجاً على إجراءات مماثلة، معتبراً أن التحديات الحالية أكثر تعقيداً، إذ لم تعد تقتصر على الممتلكات، بل تشمل الكادر البشري ذاته.
وحذّر من تداعيات اجتماعية واقتصادية واسعة، موضحاً أن فقدان الوظائف، خاصة في قطاع التعليم، قد يدفع العديد من العائلات، لا سيما الشابة، إلى الهجرة، ما يهدد مستقبل الوجود المسيحي في المدينة.
دعوة للتحرك
وفي ختام تصريحاته، شدد عكروش على أن الكنيسة في الأرض المقدسة ليست مجرد حارس للأماكن المقدسة، بل جماعة حية تخدم الإنسان، مؤكداً أن «استهداف المدرسة هو استهداف للمستقبل».
ودعا المجتمع الدولي والكنائس حول العالم إلى متابعة هذه التطورات والعمل على حماية الملكيات التاريخية وضمان حرية وصول المعلمين إلى أماكن عملهم، حفاظاً على حق الكنيسة في البقاء والخدمة والتعليم في القدس.




