نادر شكري
في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل داخل المجتمع الأسترالي، تحولت أجواء صلاة عيد الفطر في مسجد لاكيمبا – أكبر مساجد البلاد – من مناسبة دينية يفترض أن يسودها السلام والتسامح، إلى مشهد صدامي يعكس أزمة أعمق تتعلق بمفهوم الحرية وحدودها.

فخلال دقائق من وصول رئيس الوزراء الأسترالي إلى المسجد لتقديم التهنئة، تصاعدت هتافات غاضبة ضده وضد حكومته، على خلفية مواقفها من الحرب في غزة. ولم يتوقف الأمر عند حدود التعبير السلمي، بل تطور إلى ملاحقته والصراخ في وجهه ومطالبته بالمغادرة، في مشهد صادم داخل دولة تُعد من أعرق الديمقراطيات الحديثة.

الحرية بين الحق والمسؤولية
ما حدث يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن أن تتحول الحرية، التي منحتها الدول الديمقراطية للمهاجرين، إلى أداة تُستخدم ضد نفس القيم التي وفّرتها؟
أستراليا، كغيرها من الدول الغربية، فتحت أبوابها لموجات من المهاجرين، وقدمت لهم حقوقًا كاملة في التعبير والممارسة الدينية والمشاركة المجتمعية. لكن هذه الحقوق تقوم على ركيزة أساسية: احترام النظام العام وقيم التعايش.

حين يتم استقبال رئيس حكومة داخل مكان عبادة بالهتاف العدائي والطرد، فإن الأمر يتجاوز حدود "حرية التعبير" إلى إشكالية في فهم معنى التعددية واحترام الآخر.

بين الغضب السياسي والتوظيف الأيديولوجى
لا يمكن إنكار أن الغضب من السياسات الدولية، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، هو شعور موجود لدى كثيرين. لكن الإشكالية تظهر عندما يتم توظيف هذا الغضب داخل سياقات دينية أو مجتمعية بشكل يخلق حالة استقطاب حاد.

بعض التيارات ذات الطابع الأيديولوجي تستغل هذه المساحات المفتوحة لتغذية خطاب حاد، يخلط بين النقد السياسي المشروع وبين التحريض أو الإقصاء، وهو ما يهدد بتحويل المجتمعات المهاجرة إلى بيئات مغلقة فكريًا.

 أزمة اندماج أم أزمة خطاب؟
ما جرى لا يمكن قراءته فقط كحادثة فردية، بل كإشارة إلى تحديات أوسع تتعلق بالاندماج. فالديمقراطية لا تعني فقط منح الحقوق، بل أيضًا تبني قيمها، وعلى رأسها قبول الاختلاف واحترام المؤسسات.

وعندما تتحول المساجد أو أي منابر دينية إلى ساحات مواجهة سياسية حادة، فإن ذلك يضع علامات استفهام حول طبيعة الخطاب الذي يُقدَّم داخل بعض هذه البيئات.

في الوقت نفسه، من الخطأ اختزال مجتمع كامل أو ربط ملايين المسلمين بمثل هذه التصرفات. فالبعض يمارس حياته بشكل طبيعي ويحترم القوانين. لكن تجاهل وجود تيارات متطرفه تستغل الحرية بشكل سلبي هو أيضًا خطأ.

المعادلة الصعبة هنا هي: كيف نحافظ على الحرية، دون أن تتحول إلى منصة لنشر الكراهية أو تقويض التعايش؟

فحادثة مسجد لاكيمبا ليست مجرد موقف عابر، بل جرس إنذار.

إنها تذكرنا بأن الديمقراطية ليست فقط حقوقًا تُمنح، بل مسؤوليات تُحترم.

وأن أي مجتمع، مهما كان منفتحًا، يظل بحاجة إلى توازن دقيق بين الحرية والنظام، بين التعبير والاحترام، وبين الاختلاف والتعايش.