الأبُ أَغُسْطِينُوسُ بِٱلْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ

 
لَمْ يَعُدِ ٱلصَّمْتُ مُمْكِنًا، وَلَا ٱلْحِيَادُ مَقْبُولًا، فِي زَمَنٍ صَارَ فِيهِ ٱلدَّمُ خَبَرًا يَوْمِيًّا، وَٱلْمَوْتُ عُنْوَانًا لِلْحَيَاةِ. مِنْ هُنَا، مِنْ قَلْبِ ٱلشَّرْقِ ٱلْمُثْقَلِ بِٱلْجِرَاحِ، نَرْفَعُ صَوْتًا لَا يَخْتَنِقُ، وَنُطْلِقُ نِدَاءً لَا يَنْكَسِرُ: كَفَى!
 
كَفَى حُرُوبًا تَأْكُلُ ٱلْأَطْفَالَ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفُوا مَعْنَى ٱلْحَيَاةِ،
 
كَفَى دِمَاءً تُسْفَكُ بِٱسْمِ ٱلسُّلْطَةِ أَوِ ٱلدِّينِ أَوِ ٱلْمَصَالِحِ،
 
كَفَى أَرْضًا تُحْرَقُ وَسَمَاءً تَشْهَدُ عَلَى جُنُونِ ٱلْإِنْسَانِ.
 
أَيُّهَا ٱلْعَالَمُ، إِنَّ ٱلشَّرْقَ لَيْسَ سَاحَةَ تَجَارِبَ لِسِيَاسَاتِكُمْ،
 
وَلَا مَيْدَانًا لِصِرَاعَاتِكُمُ ٱلْمُقَنَّعَةِ،
 
بَلْ هُوَ مَهْدُ ٱلْحَضَارَةِ، وَأَرْضُ ٱلرِّسَالَاتِ، وَمَوْطِنُ ٱلْإِنْسَانِ ٱلَّذِي يَحْلُمُ بِكَرَامَةٍ بَسِيطَةٍ لَا أَكْثَر.
 
إِنَّنَا لَا نَطْلُبُ مُسْتَحِيلًا، بَلْ نُطَالِبُ بِأَبْسَطِ ٱلْحُقُوقِ:
أَنْ يَعِيشَ ٱلْإِنْسَانُ بِأَمَانٍ،
 
أَنْ يَنَامَ ٱلْطِّفْلُ دُونَ صَوْتِ ٱلْقَذَائِفِ،
 
أَنْ تَحْتَضِنَ ٱلْأَرْضُ أَبْنَاءَهَا أَحْيَاءً لَا قَتْلَى.
 
وَإِلَى صُنَّاعِ ٱلْقَرَارِ، نَقُولُ بِوُضُوحٍ لَا يَعْرِفُ ٱلْمُجَامَلَةَ:
إِنَّ ٱلسَّلَامَ لَيْسَ بَيَانًا يُتْلَى، بَلْ إِرَادَةٌ تُصْنَعُ،
 
وَلَيْسَ مُؤْتَمَرًا يُعْقَدُ، بَلْ ضَمِيرًا يَسْتَيْقِظُ.
 
تَوَقَّفُوا عَنْ تَغْذِيَةِ ٱلْحُرُوبِ،
 
تَوَقَّفُوا عَنْ تِجَارَةِ ٱلْمَوْتِ،
 
تَوَقَّفُوا عَنْ ٱسْتِثْمَارِ دِمَاءِ ٱلْبُسَطَاءِ فِي صَفَقَاتٍ لَا تَرَى فِيهِمْ إِلَّا أَرْقَامًا.
 
إِنَّ هٰذَا ٱلنِّدَاءَ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ ثَوْرَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ فِي وَجْهِ ٱلْإِنْحِطَاطِ،
 
وَلَيْسَ رَجَاءً بَارِدًا، بَلْ صُرَاخٌ مُشْتَعِلٌ فِي ضَمِيرِ ٱلْإِنْسَانِيَّةِ.
 
نَعَمْ، نُرِيدُ سَلَامًا… لٰكِنَّهُ سَلَامُ ٱلْعَدْلِ لَا ٱلِاسْتِسْلَامِ،
 
سَلَامًا يَرُدُّ لِلْإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ، لَا يَسْلُبُهَا،
 
سَلَامًا يَبْنِي، لَا سَلَامًا يُؤَجِّلُ ٱلْاِنْفِجَارَ.
 
وَمِنْ عُمْقِ ٱلرُّوحِ، نُذَكِّرُ ٱلْعَالَمَ:
إِنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ إِلٰهَ مَوْتٍ، بَلْ إِلٰهُ حَيَاةٍ،
 
وَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ ٱلْحَرْبَ، يُقَاوِمُ مَشِيئَتَهُ،
 
وَكُلَّ مَنْ يَزْرَعُ ٱلسَّلَامَ، يُشَارِكُ فِي عَمَلِهِ ٱلْخَلَّاقِ.
 
فَلْيَصْمُتْ صَوْتُ ٱلسِّلَاحِ… وَلْيَرْتَفِعْ صَوْتُ ٱلْإِنْسَانِ.
 
فَلْتَسْقُطْ أَقْنِعَةُ ٱلْمَصَالِحِ… وَلْيَنْتَصِرِ ٱلْحَقُّ.
 
فَلْيَعُدِ ٱلْعَالَمُ إِنْسَانًا… قَبْلَ أَنْ يَفْقِدَ مَا تَبَقَّى مِنْ إِنْسَانِيَّتِهِ.