القمص يوحنا نصيف
    في مَثَل "الأب الحنون" الذي ذَكَرَه السيّد المسيح (والمشهور بمَثَل "الابن الضال").. لفت نظري الجمال والغِنى والفرح والراحة التي كانت موجودة في بيت الأب، والتي افتقدها الابن الضال عندما غادر البيت..

    + "بيت الأب".. وهو يمثِّل الآن الكنيسة.. هو بيتٌ لا يفرغ منه الخير والعِزّ والحُبّ، والأمان والسلام والتهليل.. وحتّى الأُجَراء فيه يَفضُل عنهم الطعام.. وقد انتبه الابن الضال لهذا بعدما خرج منه، وصار فقيرًا شريدًا مُهانًا!

    + المفروض أن نتمتّع في هذا البيت بالشركة مع الله وقديسيه.. فهو بيت العائلة الإلهيّة التي دُعِينا لعضويّتها كهِبة من الله محبّ البشر، الذي وهبنا نعمة التبنّي في المسيح يسوع.

    + في داخل بيت الآب نجد خدمة رفيعة المستوى..  فهناك مَن يُجَهِّز لنا الحُلّة الأولى، فنلبس برّ المسيح.. وهناك مَن يضع الخاتم في أيدينا، ويُعيد لنا سلطاننا.. وهناك مَن يُناولنا من العِجل المُسمَّن فنتلذّذ ونشبع ونحيا..

    + العجيب في هذا البيت أنّه بيت لنا فيه ملء الحرّيّة.. ويمكن أن نتركه وقتما نشاء.. لا إجبار أو قيود!

    + إذا تركنا بيتَ الآب سنشعُر في البداية بالإنطلاق والحرّيّة، ولكنّنا في النهاية سنجد أنفسنا قد خسرنا خسارة فادحة، وافتقرنا جدًّا، فنندم كثيرًا ونتحسَّر.
    + أفضل قرار يمكن أن نتّخذه في حياتنا هو العودة لبيت أبينا، حتّى ولو كخدّامين.. مع أنّ الآب لن يستقبلنا إلاّ كأبناء لهم مكانتهم العظيمة.. فالحقيقة أنّ البُعد عن بيت الآب هو ضلال وموت، والعودة بالتوبة هي حياة من جديد وقيامة من الأموات.

    + من المؤلم أنّ بعض الأبناء مِن الذين لهم مكانهم في بيت الآب، لا يستمتعون بخيرات بيت الآب ولا بوقتهم مع أبيهم، بل يشتهون أن يخرجوا لقضاء الوقت مع أصدقائهم ظانّين خطأً أنّهم سيفرحون خارج البيت.. وهُم لا يعلمون أنّ في الخارج سراب وجوع ومَذَلّة وضياع!

    + أحيانًا مع الأسف يكون الموجودون في بيت الآب ليسوا بأفضل من الذين في الخارج، إذا كان الكبرياء يسيطر عليهم مع روح الإدانة والبُغضة.. وقد تنتهي بهم الأمور إلى الهلاك، بينما يعود الضالّون إلى حضن أبيهم الذي افتقدوه لفترات طويلة، وتكون النتيجة أنّهم يستمتعون بحُبِّهِ وخلاصه.. وهنا تنطبق عليهم كلمات السيّد المسيح "إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (مت8: 11-12). فلا نتعجّب إن رأينا في بيت الآب بعض الأبناء المُعوَجِّين مِثل الابن الأكبر، ومع ذلك لا يزال الآب يحتضنهم بحبّه ويغمرهم بخيراته، آمِلاً في تغيير قلوبهم.. عمومًا ليكُن تركيزنا في بيت الآب على الآب نفسه، وعلى التمتّع بينابيع محبّته وفيض غِناه، وليس على إدانة أيّ أحد من الموجودين في البيت!

    + المحبّة هي أهمّ شروط التواجُد في بيت الآب، ومَن يحتقرها يُطَوِّح بنفسه خارج البيت.. مِثل الابن الأكبر الذي رفض أن يسامح أخاه التائب، فألقى بنفسه خارجًا، وحرم نفسه من الفرح مع العائلة!

    + أخيرًا، أعتقد أنّه من الخطر أن نبتعد لفترات طويلة من النهار عن بيت الآب، معتمدين أنّنا سنعود للمبيت في آخِر النهار.. فهذا البُعد قد يتطوّر إلى غياب تام، وبالتالي حرمان من شركة الحياة والفرح مع الله.. ربّما هذا يتمثّل في الذين يَغرقون في الدنيا وملاهيها، أو حتّى ينشغلون بإداريّات الخِدمة، على حساب المواظبة على حضور القدّاسات واجتماعات الكنيسة والاهتمام بدراسة الإنجيل ومخدع الصلاة، على اعتبار أنّهم سيقومون بذلك في وقت لاحق.. ومع مرور الوقت تَجِفّ مشاعرهم الروحيّة وتموت فينقطعون تمامًا.. ويحرمون أنفسَهم بأنفُسِهم من جمال وغِنى بيت الآب، وبالتالي من شركة الحياة الأبديّة!
القمص يوحنا نصيف