د.محمد عفيفي
سيلاحظ القارئ الكريم أني اخترت هذا العنوان المثير: "لماذا الحرب الآن؟!" وأكدت على أن أعقب السؤال بوضع علامة استفهام مصحوبة بعلامة تعجب، في محاولة استباقية لتقديم إجابة على سؤال وجودي، لطالما سألته البشرية على مر تاريخها: لماذا الحرب الآن؟!
وبذهنية المؤرخ وجدتني أعود إلى أوراقي وملفاتي، التي هي في حقيقة الأمر "أرشيف المؤرخ". وهنا وقعت على أحد أهم المساجلات الفكرية في هذا الشأن في تاريخنا الفكري الحديث والمعاصر، وأقصد بذلك المعركة الفكرية التي دارت رحاها على صفحات مجلة السفور المصرية، أثناء الحرب العالمية الأولى، وكان قطبي هذا السجال الفكري عميد الأدب العربي "طه حسين" والقطب الآخر هو الأديب والسياسي "محمد حسين هيكل".
إذ أثار اندلاع نيران الحرب العالمية الأولى جدلاً كبيرًا في صفوف التيار الليبرالي المصري، هذا التيار الذي استقى فكره وثقافته من أوروبا وجد فجأة هذه القارة التي تربطه بها وشائج فكرية ونفسية، تدفع نفسها دفعًا نحو حرب ضروس هائلة تلتهم الحضارة، تلك الحضارة التى لطالما تغنى بها هذا التيار، فكان عليه أن يقدم تفسيرات مقبولة لهذا الوضع الذي وصلت إليه أوروبا، وبالتالي وصلت إليه البشرية جمعاء.
من هنا دار على صفحات السفور نقاش حاد وطويل بين أهم رموز هذا التيار، وفي مقدمتهم طه حسين، ومحمد حسين هيكل. ورأى هيكل أن الحرب: "إن هي إلا نزوة الطيش تصيب الإنسانية حين ترى أن قد طال متاعها بالسكينة، وحين تنسى الويلات الكبيرة التي تجرها الحروب المستعرة".
وكان الطرف الآخر لهذا الحوار هو طه حسين الذي امتدح الحرب الدائرة معللاً ذلك بأن: "الحرب تخلق الحضارة" وأن حالة الحرب الحاضرة تخلق "حضارة التنافس".
لكن هيكل يرد على طه حسين بضرورة إعلاء مبادئ: "الإخاء والمساواة والسلام الذي تطمع فيه الإنسانية". كما يؤكد هيكل أن هذه الحرب مع كرهه لها، ستخرج لنا أوروبا جديدة، وعالم جديد، على أساس المدنية والسلام.
والمثير أن طه حسين يرد على هيكل موضحًا أهمية الحرب من أجل السلام عبر التاريخ: "إن السلم حين أرادت أن تتأيد وتشمل برحمتها أبناء الإنسان لم تستطع أن تظفر بذلك حتى لجأت إلى عدوتها الحرب، فسألتها المعونة والنصر، ورغبت إليها في المؤازرة والتأييد". وهكذا ينتصر طه حسين إلى مبدأ أهمية الحرب، بل وحتميتها التاريخية لخلق عالم جديد.
وإذا رجعنا إلى أحد أهم الكتب التاريخية الكلاسيكية التي عالجت مسألة الحرب، وهو كتاب فيشر عن تاريخ أوروبا في العصر الحديث، نجده يتعجب من حدوث الحرب العالمية الأولى في وقت وصلت فيه البشرية مع نهاية القرن التاسع عشر، والعقد الأول من القرن العشرين إلى أعلى ما وصلته في التطور الصناعي والتقني، بل والأدبي والفكري، وما يطلق عليه: "انتهاء عهد السلام، وتجريد السيف" ويقول: "أن هذه العملية التي سمت بالحضارة الإنسانية، وأدت إلى رخاء البشر ورغد عيشهم، حطمتها الحرب".
ويرفض فيشر مقولة أن الحرب أثارها الرأسماليون، ويرى في ذلك هراء ولغو، ويرى أن الحرب ليست في صالح الرأسمالية بشكل عام، مع الاعتراف بأهمية دور صناعة السلاح في إثارة الحروب، سواء لتجربة أسلحة جديدة، أو لزيادة المبيعات. كما يشير إلى الدور السيئ للدبلوماسية ووزارات الخارجية قبيل الحروب عندما تتقارب آمال وأحلام الخارجية مع وزارة الحرب: "جاشت في كل وزارة خارجية أحلام كانت تصبو إلى تحقيقها عن طريق القتال!!".
وفي عبارة بليغة ومثيرة يقول فيشر: "فعند اندلاع الحرب، استعرت جميع هذه الأطماع في نارٍ هائلة".
ما أشبه الليلة بالبارحة!
نقلا عن الدستور





