نادر شكري
تشهد إيران منذ الأيام الأخيرة أزمة حادة على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية، التي كشفت هشاشة القوة العسكرية الإيرانية وأظهرت تغيرًا جذريًا في أساليب النزاع الحديث. فالهجمات التي استهدفت إيران خلال ساعات معدودة، أسفرت عن تصفية جميع القيادات العسكرية العليا في أقل من نصف ساعة، وتدمير نحو ألف موقع عسكري، شملت أهم القواعد والمباني العسكرية. واليوم، تتواصل الضربات لتطال أهدافًا مدنية، ما يعكس تصعيدًا غير مسبوقًا في الحرب على إيران.
 
هشاشة النظام الإيراني أمام الحرب الحديثة
أثبتت هذه العملية أن إيران، رغم امتلاكها الجيش والحرس الثوري، تفتقر إلى الخبرة العملية في الحروب الحديثة التي تعتمد على الضربات الجوية الدقيقة والاستخباراتية. فالهجمات الأمريكية والإسرائيلية لم تعتمد على الدبابات أو المدفعية الثقيلة، بل على ضربة مركزة وشاملة، دون أن يتم إسقاط أي طائرة أو صاروخ، مما يبرز تفوق الجانب الهجومي في الحرب المخابراتية والاستخباراتية.
 
هذا التفوق يجعل إيران في موقف حرج، خصوصًا مع وجود اختراق استخباراتي إسرائيلي متعمق يعرف كل تحركات القيادة العليا، ما سمح باستهداف القادة الرئيسيين في الجيش والحرس الثوري مرة واحدة. وهنا يبرز السؤال حول قدرة النظام الإيراني على الصمود في ظل هذه الضغوط العسكرية والاستخباراتية الشديدة.
 
الانقسام الداخلي والخيارات الاستراتيجية
القيادة الإيرانية الجديدة تحاول فتح قنوات للحوار مع الإدارة الأمريكية، وفق تصريحات الرئيس الأمريكي السابق ترامب. إلا أن هذه التحركات، التي ترافقها هجمات عشوائية على الدول العربية، تشير إلى تخبط واضح في إدارة الأزمة، وربما تفتح الباب أمام صراعات داخلية بين الجيش والحرس الثوري، خصوصًا إذا لم تكن هناك خطة واضحة للقيادة الجديدة.
 
هذا الانقسام المحتمل قد يؤدي إلى انقلاب داخلي أو تغيير في القيادة، كما تشير بعض التقديرات العسكرية، وهو أمر وارد في ظل فقدان التنسيق بين مؤسسات الدولة المختلفة.
 
التحول التكتيكي في النزاعات الحديثة
أظهرت الحرب الأخيرة تغيرًا جوهريًا في مفهوم النزاع العسكري؛ فالاعتماد اليوم لم يعد على القوة التقليدية للدبابات والمدفعية، بل على الهجمات الجوية والاستخباراتية الدقيقة، إضافة إلى التحكم الكامل في المعطيات المخابراتية. وهذا التحول يعكس أن أي نظام لا يمتلك الخبرة في هذه النوعية من الحروب معرض للانهيار السريع، كما حدث مع إيران.
 
الحوار كخيار للخروج من الأزمة
إذا أرادت إيران النجاة من هذا المأزق، فإن الخيار الأبرز هو اللجوء للحوار وقبول شروط الولايات المتحدة، وهو ما قد يحافظ على الحد الأدنى من قدرتها على البقاء. ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر إسرائيل في تنفيذ ضرباتها لاستهداف القوة العسكرية الإيرانية، وخاصة الصواريخ البالستية والمواقع النووية، بغض النظر عن أي اتفاق محتمل.
 
النظام الإيراني يواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا لقدراته العسكرية والقيادية. هشاشة القيادة، الاختراق الاستخباراتي، وضربات القوات الأمريكية والإسرائيلية تظهر أن النظام قد يضطر إلى الحوار والقبول بشروط خارجية للحفاظ على استمراريته. في الوقت نفسه، يبقى احتمال الانقلاب الداخلي قائمًا، خصوصًا في حال تفاقم الخلاف بين الجيش والحرس الثوري. الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل حرب استخباراتية وتكتيكية متقدمة، ونجاح إيران في الصمود يتوقف على قدرتها على التكيف بسرعة مع هذه التحديات الحديثة.