القمص يوحنا نصيف
المسيح هو قائدنا في المعركة الروحيّة، إنّه ينزل ويحارب معنا في حربنا وينتصر لحسابنا.. فهو قد قبل التحدِّي من عدو الخير، ونزل في مواجهة معه على جبل التجربة، لكي يسحقه، ويهبنا معه هذه النصرة.
كما أنّنا نعرف أن السيّد المسيح لم يكُن محتاجًا للصوم، إنّما صام ليقدِّس أصوامنا ويُقَوِّيها بصومه، مُشجِّعًا إيّانا عليها.. كالأم التي تتذوّق الدواء أمام طفلها المريض حتى يشرب منه.. فالصوم هو السلاح الذي يقدِّمه السيِّد لمؤمنيه لكي يتحصّنوا به أثناء الحرب الروحية، وعندما يكون الصوم ممتزجًا بالصلاة يصير قوّة ضاربة ضدّ العدو؛ الذي يهيج مع بدء الصوم ويكثِّف حربه..!
لكي ننتصر في الحرب، يلزمنا أن نعرف طبيعة عدوّنا، وأساليبه التي يستخدمها في تجربتنا، وبالتالي سنفهم كيف نواجه تجاربه وحروبه. ولذلك في هذا المقال، وفي ضوء تجربة المسيح على الجبل، سنحاول الكشف عن حيل هذا العدو الشرير، وكيف نواجهها؟
1- تجارب العدو كلّها تحمل خداعًا، وكلّها معجونة بالغشّ والحيلة والمكر والدهاء. ولذلك فهي تحتاج مِنّا أن نكون دائمًا متيقّظين ومنتبهين، ومتّكلين بالكامل على نعمة الله الجبّارة، وكلماته التي تكشف لنا خداع العدو وتفضح حيله.. ففي تجربة المسيح الأولى مثلاً، يحاول إبليس أن يدفع السيّد المسيح لأن يجد حلاًّ غريبًا لمشكلة الجوع خارج القوانين الطبيعيّة للبشريّة التي جاءت في الوصيّة: "بعرق وجهك تأكُل خبزًا" (تك3: 19)! وفي التجربة الثانية يحاول تحريف معنى آية تؤكِّد أن الله يرسل ملائكته ليحفظوا الأبرار في مسيرتهم، فيعرض على السيّد القفز من على جناح الهيكل! وفي الثالثة يَدّعي أنّه يستطيع أن يعطي للمسيح كلّ ممالك العالم في مُقابل يبدو بسيطًا؛ مع أنّه في الحقيقة لا يملك شيئًا، إنّما هو مجرّد مغتصب ما ليس له، ولا يوجَد معه ما يُثبت ملكيّة أيّ شيء في هذا العالم لكي يستطيع أن يعطيه.. فعدوّنا هو كاذب ومُخادع وغشّاش!
2- حروب وتجارب العدو متنوِّعة وتأتي من كلّ الاتجاهات.. فتجارب الشيطان الثلاث للربّ يسوع تشمل كافّة أنواع التجارب التي يتعرّض لها البشر، وهي نفسها التي ذكرها القديس يوحنا الحبيب في رسالته الأولى.. "كلّ ما في العالم: شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظُّم المَعيشة... العالم يمضي وشهوته.." (1يو2: 16-17) فشهوة الجسد تُجَسِّدها تجربة تحويل الحجارة إلى خُبز. وشهوة العيون تصوِّرها تجربة الطيران من على جناح الهيكل، بمعنى أن تنظرنا العيون وتمجِّدنا.. وشهوة تعظُّم المعيشة توضِّحها تجربة ممالك العالم وأمجاده المعروضة علينا دائمًا في مُقابِل الخضوع والسجود لإبليس.. وفي الثلاث حالات يكشف لنا السيِّد المسيح طريق الانتصار بسلاح الكلمة الإلهيّة!
3- إبليس خطير في استغلال الفُرَص.. فهو ينتظر حتّى تحين فُرصة مناسبة، يشنّ فيها حربه الشريرة.. فقد تقدّم لتجربة المسيح عندما رآه قد جاع بالجسد جدًّا في نهاية الأربعين يومًا بدون طعام أو شراب.. وهكذا يعمل معنا، إذ ينتظر مِنّا لحظة غفلة أو ضعف أو تراخي أو انشغال أو نسيان، أو تَخَلِّي مؤقّت عن أسلحتنا القويّة من صلاة وتسبيح وتغذية بكلمة الله.. فتكون هذه هي اللحظة التي يستغلّها لمهاجمتنا!
4- عدو الخير لن يملّ من مهاجمتنا، حتّى لو هزمناه مرّات عديدة، فهو سيحاول بتكرار لا ينتهي؛ لذلك يجب أن نتحلّى بطول الأناة، ونكون باستمرار مستعدّين لمواجهته بثباتنا في المسيح، لكي نتقوّى بقوّته العظيمة (أف6: 10-18). ولعلّنا لاحظنا أنّ المسيح بعدما هزم العدو على جبل التجربة، فإنّ الشيطان لم ييأس، بل عاود الهجوم بأفكاره السامّة عن طريق كلام وضعه على لسان القدّيس بطرس (مت16: 23)، وفي مرّة أخرى على لسان رؤساء كهنة اليهود (مت27: 39-43).. ولكن في كلّ مرّة كان المسيح يكشف خداعه ويسحقه!
نشكر الله أنّه واجه كلّ أنواع التجارب المُمكِنة وانتصر، لكي يعيننا في كل ما يواجهنا من تجارب، فنستطيع أن ننتصر بقوّته.. كما قال معلمنا القديس بولس: "في ما هو قد تألّم مُجرَّبًا، يقدر أن يعين المُجَرَّبين" (عب2: 18).
وأخيرًا، إذا كانت التجارب الثلاثة على الجبل تُمثّل كلّ أنواع الإغراءات التي يقدّمها لنا إبليس، فلنتذكّر أنّنا في أثناء معموديّتنا قد قمنا بجحد الشيطان ثلاث مرّات، أي قُمنا برفضِه، وطَرَدناه مِن حياتنا، مع كافّة معروضاته النجِسة.. وبالتالي فلا يليق بِنا أبدًا بعد ذلك أن نَقبَل في حياتنا شيئًا من شروره، مهما حاول تجميلها أمام أعيننا!
القمص يوحنا نصيف
الأحد الثاني من الصوم المقدّس 2026م





