هاني صبري - المحامي بالنقض والخبير القانوني 
ظهر شخص يحمل جنسية دولة عربية، عبر مقطع فيديو متداول على تيك توك TikTok ، ومواقع التواصل الاجتماعي ، داخل الكنيسة المعلقة في القاهرة، وهو يسخر من عبارات دينية مسيحية، حيث ذكر من خلال الفيديو، عبارات دينية مثل "السلام لك يا ممتلئة نعمة السلام لك يا من وجدت  نعمة السلام لك يا من ولدت المسيح الرب معك"، ثم أخذ يضحك ويتهكم ويسخر ويقول: أستغفر الله.

هذا الفعل غير المسؤول أحدث حالة من الاستياء والغضب لدي الأقباط.

في تقديري، أن ما يقترفه هذا الشخص يُعدّ جريمة ازدراء أديان مكتملة الأركان، وهذا ثابت من خلال تصريحه والتعدي بالقول، وبطريق العلانية، على الدين المسيحي والسخرية من العقيدة الدينية للمسيحيين.  

ويستفاد ذلك من نص المادة (98 و) من قانون العقوبات، التي تنص على:
"يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات، أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه، ولا تجاوز ألف جنيه، كل من استغل الدين في الترويج، بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى، لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية".

ويعرف القانون جريمة ازدراء الأديان بأنها احتقار الدين، أو أحد رموزه، أو مبادئه الثابتة، أو نقده أو السخرية منه بأي شكل من الأشكال، أو إساءة معاملة معتنقيه، لأن مثل هذه السلوكيات هي التي تثير الفتن. ومن هنا، فإن الهجوم بأي شكل على كل ما يتعلق بالدين يُعدّ ازدراءً له.

والازدراء أو التجديف هو عدم إظهار تقدير أو احترام تجاه شخصيات مقدسة في الديانات الإبراهيمية، أو الاعتداء على قدسية الاعتقاد الديني والإساءة للدين، ومهاجمة العقيدة، والذي يعبر عنه بالتطرف الديني، إما باحتقاره، وإهانة الدين، أو التشدد المخل، وهي الصورة الأكثر انتشارًا.

إن حرية الاعتقاد والرأي مكفولة بمقتضى الدستور والقانون، إلا أن هذا لا يبيح لمن يجادل في أصول دين من الأديان أن يمتهن حرمته أو يحط من قدره أو يزدريه عن عمد منه. فليس له أن يحتمي من ذلك بحرية الاعتقاد، وإنما يضع مرتكب تلك الجرائم تحت طائلة القانون.

كما أن مثل تلك التصرفات تحض على الكراهية و يُعدّ مخالفة أيضًا لميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني. فنحن نحتاج إلى ضبط  السلوك والأداء الإعلامي، والتعامل بكل حزم مع كل من يخالف القانون، والتدقيق فيما يُقدم، والبعد عن الأمور التي تحدث أي إثارة أو بلبلة.

ان ما ارتكبه المتهم بتصرفه غير المسؤول يعد مخالفة لكود الأخلاق الذي نص على عدم التحقير من الأشخاص، ومخالفة المادة (16) من لائحة الجزاءات، التي تنص على أن استخدام ألفاظ تؤذي مشاعر الجمهور مخالفة تقتضي توقيع الجزاء على المخالف.

والدستور المصري الصادر في 2014، في المادة 211 منه، أناط بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مسؤولية وضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها، والحفاظ على مقتضيات الأمن القومي. وأوجب عليه القانون رقم 180 لسنة 2018 اتخاذ الإجراءات المناسبة اللازمة لبلوغ تلك الغايات، وخوَّله من الاختصاصات والسلطات، وأتاح له استخدام العديد من التدابير وتوقيع ما يراه ملائمًا من الجزاءات المعينة له في هذا المقام.

حيث نصت المادة (19) من القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام على حظر نشر أو بث أخبار كاذبة، أو ما يدعو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوي على تمييز بين المواطنين أو يدعو إلى العنصرية أو التعصب، أو يتضمن طعنًا في أعراض الأفراد أو سبًا أو قذفًا لهم، أو إمتهانًا للأديان الإبراهيمية أو للعقائد الدينية.

وطبقًا للمادة 211 من الدستور الصادر عام 2014 والمادة (94) من القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام واللوائح الصادرة تنفيذاً له، فإن تلك الأفعال غير المسؤولة التي صدرت منه فيها مخالفة لميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني في باب أولاً: المبادئ العامة، في فقراتها أرقام (2، 4، 6، 9)، والتي نصت على ما يلي:

1. الفقرة رقم 2: احترام القيم المجتمعية وآداب وتقاليد المهنة.
2. الفقرة رقم 4: احترام الوحدة الوطنية.
3. الفقرة رقم 6: احترام الكرامة الإنسانية وعدم الإساءة إلى أي فئة من فئات المجتمع.
4. الفقرة رقم 9: احترام حقوق الجماهير مستمعين ومشاهدين.

كما تنص الفقرة الثانية في باب الواجبات على عدم مخالفة الالتزام بالموضوعية في التناول، والتوازن في عرض وجهات النظر، وعدم تغليب المصالح الخاصة على الاعتبارات المهنية.

لذلك، يجب أن يكون هناك توازن دقيق بين الحق في حرية الرأي والتعبير وحق الآخرين في حماية مشاعرهم الدينية واحترام مقدساتهم، وأن الاستهزاء بعقائد الآخرين والطعن في الذات الإلهية لا يدخل ضمن الحرية الشخصية.

وبناءً عليه، فإنني أناشد السيد الأستاذ المستشار النائب العام، بصفته صاحب الاختصاص الأصيل في تحريك الدعوى الجنائية واتخاذ الإجراءات القانونية ضد هذا الشخص واستصدار أمر بالقبض عليه، حيث تتولى النيابة العامة سلطتي التحقيق والاتهام، وإحالة المتهم إلى المحاكمة الجنائية العاجلة إذا ما ثبت تورطه في تلك الجريمة.

كما أطالب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، عملاً بالمادة 94 من القانون رقم 180 لسنة 2018، بحجب مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي المختلفة لهذا الشخص وغيره الذين يزدروا الدين المسيحي.

ونُطالب اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية، المشكلة بقرار رئيس الجمهورية رقم 602 لسنة 2018، بالتصدي لمثل هذه الدعاوى التحريضية التي تنال من سلامة واستقرار الوطن، لمنع حدوث حالة من الاحتقان تضر بالمجتمع، ومواجهتها بكل حزم وفقًا للقانون، حفاظًا على الوحدة الوطنية وسلامة وأمن البلاد.

كما أناشد مجلس النواب إنشاء مفوضية عدم التمييز المنصوص عليها في المادة 53 من الدستور الحالي.‬