المرحلةُ الأُولى: يسوعُ يُحكَم عليه بالموت
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
«فحاوَلَ بيلاطُسُ مِن ذٰلك الحينِ أَن يُخلِيَ سَبيلَه، ولٰكِنَّ اليَهودَ صاحوا: "إِن أَخلَيتَ سَبيلَه، فَلَستَ صَديقًا لِقَيصَر، لِأَنَّ كُلَّ مَن يَجعَلُ نَفْسَه مَلِكًا يَخرُجُ على قَيصَر". فلَمَّا سَمِعَ بيلاطُسُ هٰذا الكَلام، أَمَرَ بإِخراجِ يسوع، وأَجلَسَه على كُرسيِّ القَضاءِ في مَكانٍ يُسَمَّى البَلاط ويُقالُ له بِالعِبرِيَّةِ غَبَّاثَة. وكانَ ذٰلكَ اليَومُ يَومَ تَهيِئَةِ الفِصْح، والسَّاعَةُ تُقارِبُ الظُّهْر. فقالَ لِليَهود: "ها هُوَذا مَلِكُكم!" فصاحوا: "أَعدِمْه! أَعدِمْه! إِصْلِبْهُ!" قالَ لَهم بيلاطس:"أَأَصلِبُ مَلِكَكُم؟" أَجابَ عُظَماءُ الكَهَنَة: "لا مَلِكَ علَينا إِلَّا قَيصَر!" فأَسلَمَه إِليهم لِيُصلَب» (يوحنّا 19: 13-16).
وفقًا للبشائر الأربع، قد عانى يسوعُ الناصريّ –البَريء– أكثر مِن حُكْمٍ، ممّا أدّي إلى صلبه وموته:
الحُكْم الدينيّ (عبر الرؤساء الدينيّين لليهود أو عُظَماء الكَهَنَة)، إذ حسبوه "ضالًا ومضلِّلًا دينيًّا"، ومُجدِّفًا؛
والحُكْم السياسيّ (عبر بيلاطس البنطيّ)، إذ نظر إليه كمُهدِّدٍ للسِّلْم العامّ، ومحرّضٍ، ومشاغبٍ ومثيرٍ للمشاغب؛
والحُكْم الشعبيّ (عبر بعضٍ من الجمع اليهوديّ)، إذ تنكّروا له ولأعماله وكلماته.
وما يثير فينا الدهشة حقًّا هو أنّ الديّان-المخلّص يقف في موقف المُدان، ويُحكَم عليه من البشريّة المتمثّلة في السلطات الدينيّة والسياسيّة والشعبيّة، التي تقوم بتحالفٍ غريبٍ وشاذٍ وغير معتاد... فهل مِن مَغْزى يا تُرى وراء هذا العبث الظاهريّ؟
أجل، وقبل كلّ شيء، إنّها مفارقةٌ عجيبة ومهمّة؛ فبينما العَالَم بأسره يحكم على يسوع الناصريّ، نرى الله-المحبّة يدين العالم من خلال ابنه، ويحكم عليه، أي يخلّصه. وبكلماتٍ أُخرى، بينما تُظهِر البشريّةُ جمعاء أقبح ما فيها، وتخطّط أشرس تخطيطٍ للنَيْل من البَريء يسوع الناصريّ، يسطع أمامنا سرُّ محبّة الله للبشر، فهو يخلّصنا من خلال المحكوم عليه؛ فالله هو الديّان-المخلّص. إنّه قَلْبٌ جِذريّ للمعايير كلّها، ورسمُ طريقٍ جديدٍ نحو خلاص وإصلاح ما فسد.
وقياسًا على هذا، يا لَيْتنا نتجنّب نحن الوقوفَ موقف القُضاة والديّانين دون وجه حقٍّ، مدافعين عن منافعنا الذاتيّة الأنانيّة، حتّى لا نضحى ظالمين وغير أمناء. ومن جهةٍ أُخرى، عندما نُحصَى نحن أيضًا –على غرار يسوع الناصريّ– بين المُدانين ويُحكَم علينا ظُلمًا وعَنْوةً، ربَّما من خلال هذا الفعل ومن خلالنا نحن الأشخاص المظلومين، يُظهِر الله محبّته وخلاصه لآخرين، الذين قد يكونوا الظالمين والديّانين أنفسهم!
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)





