هانى لبيب
المتوقع أن تكون منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام ملعبًا لبداية حرب شاملة. والأدق أنها أصبحت مسرحًا لإدارة توتر متصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. المشهد الحالى يشير إلى أن معادلة العلاقات بين البلدين لا تحكمها نية معلنة للصدام، بل إطار أكثر تعقيدًا بين استعراض محسوب للقوة الأمريكية المعروفة من جانب، والقوة الإيرانية المفترضة من جانب آخر.. بالإضافة إلى رسائل ردع متبادلة، وحدودٍ غير مكتوبة تتجنب الدولتان إلى الآن تجاوزها.
يعتمد البيت الأبيض على تواجد عسكرى متقدم على الحدود الإيرانية، سواء بقواعد بحرية أو جوية، يتيح لها تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضى الإيرانية؛ القواعد العسكرية هنا ليست مجرد مهبطٍ لطائرات قتالية أو قاعدة بحرية عسكرية، بل هى قيادةٌ وتحكُّم وسيطرة لإدارة نطاق واسع من العمليات العسكرية فى مسرحٍ يمتد لنطاق جغرافىّ يصل مداه من شرق المتوسط إلى الخليج العربى.. مع ملاحظة مبدئية؛ أن التعزيزات الأخيرة- حسبما ذكرت وسائل الإعلام- شملت نقل معدات ثقيلة عبر طائرات C-١٧ وC-٥M، وهو ما يعنى أن هناك عملية تحصين واضحة لتلك القواعد ضد المسيرات والتهديدات الصاروخية، وليس التحضير والإعداد لاجتياح برى.
يشكل انتشارُ حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln، مع القطع البحرية المرافقة لها من مدمرات وطرادات، رسالة سياسية قبلَ أن تكون مجرد سيناريو الحرب.. وهى تمنح واشنطن قدرةً على توجيه الضربات العسكرية من جهة، وتوسيع هامش المناورة إذا حدث أى شكل من أشكال التصعيد من جهة أخرى. الخبرة التاريخية تؤكد أن هذا النوع من الانتشار يُوظَّف غالبًا كأداة ردع أكثر منه مؤشرًا على اتخاذ قرار الحرب.
فى مقابل ما سبق، ما زالت طهران تتمسك باستراتيجية «تعظيم التكلفة» كمبدأ متبع من خلال أدوات عسكرية غير تقليدية، على غرار: الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، والمسيرات بعيدة المدى، وتحركات بحرية.. ترتكز على التوزيع المكثف للزوارق السريعة فى مساحة بحرية محددة ومعقدة. قيمة هذه الأدوات لا يمكن تقييمها فى مدى تفوقها النوعى، بل فى قدرتها على خلق حالة مربكة عسكريًا فى سبيل تعظيم مضاعف لتكلفة الضربة الأولى. ويبقى مضيق هرمز مربع الردع الأشد خطورة، هذا المضيق الذى يعد من أهم الممرات المائية العالمية؛ حيث يمر عبره ٢٠٪ من تجارة النفط العالمية؛ مما يجعله أحد أهم المؤثرات الفورية على الأسواق والأسعار.
وبناءً على ما سبق، لا تحتاج طهران إلى مواجهة واسعة لتصدير صدمة اقتصادية عالمية، بل يكفى أن توسِّع هامش المخاطرة الملاحية، ما يعتبره البيت الأبيض تعزيزًا للدفاع ضد انتشار الصواريخ الإيرانية، تتفاعل معه طهران باعتباره تطويقًا عسكريًا. ولا ننسى أنه منذ اغتيال قاسم سليمانى سنة ٢٠٢٠، برز مبدأ غير مكتوب بأن ردود الأفعال ممكنة، ولكن ضمن حدود تمنع الانفلات.. وهو مبدأ يتجاهل احتمال أى خطأ مهما كانت نسبته لاندلاع الحرب، حتى لو لم يكن هناك نية للحرب.
على الرغم من ذلك، فإن الخطر الحقيقى ليس فى اتخاذ قرار متعمّد لإشعال المواجهة، بل فى تصعيد تدريجى لحدث تكتيكى يتضخم تحت الضغط السياسى والقوة والسيطرة، وهو ما يمكن تحديده فى عدة مسارات قد تتسبب فى اندلاع الشرارة؛ إما بسبب خسائر بشرية بسبب هجوم صاروخى على أى قاعدة أو منشأة عسكرية أمريكية، مما يفرض ردًا ليس له حدود.. أو بسبب احتكاك بحرى غير محسوب فى الخليج العربى ينتهى بتدمير أى قطعة عسكرية، مما يفرض توجيه ضربات انتقامية.. أو استهداف منشأة سيادية حساسة داخل الأراضى الإيرانية مما يدفع إلى رد فعل يتعدى قواعد الاشتباك التقليدى لكونه تعديًا مباشرًا على السيادة الإيرانية.
المنطقى فى تحديد السيناريوهات المستقبلية بناء على خبرة علاقات الأعوام السابقة، خاصة فى مسار العلاقات الأمريكية – الإيرانية، استمرارُ التوتر دون حرب أو مواجهة مباشرة، ويلى السيناريو السابق تصعيدٌ محدودٌ قصيرُ الأمد من خلال ضربات متبادلة ومحسوبة، أو حرب أوسع ربما يكون فيها طرف ثالث مثل إسرائيل فى مواجهة مفتوحة.
على المستوى الاقتصادى، يتحكم سوق الطاقة فى صناعة قرار البيت الأبيض؛ لأنه ينعكس سريعًا على الأسعار وعلى ثقة المستثمرين. وفى طهران، تمثل القدرة على الصمود الاقتصادى عنصرًا حاسمًا فى تحديد سقف المخاطرة.. لذا فإن التصعيد هنا غالبًا ما يكون أداة تفاوض غير معلنة برفع حدود التفاوض لتحسين الشروط، وعدم إغلاق الأبواب الدبلوماسية.
استعراض القوة لتثبيت حالة الردع وليس لحسم الصراع. كما أن الاعتماد على مسارات عسكرية فى مجتمعات مكتظة بالصواريخ والمسيرات والفرقاطات يترك الاستقرارَ رهنَ أى مغامرة لحادث عرضىّ أو أى قراءة خاطئة لإشارة لاسلكية. الاحتمال الأكبر هو استمرار حالة «لا حرب ولا سلام».. ولكن هشاشة النظام الدولى الآن تعنى أن شرارة صغيرة فى توقيت خاطئ قد تفرض على الجميع مسارًا لم يخططوا له من الأصل.
نقطة ومن أول السطر..
لسنا أمام حرب حتمية، بل أمام توازنات دقيقة تتطلب انضباطًا سياسيًا وعسكريًا مستمرًا. وفى منطقة اعتادت المفاجآت، يظل السؤال الحقيقى ليس فيمن يريد الحرب، بل فيمن يستطيع منعها إذا اشتعلت!
والواضح، رغم منطقية كل ما سبق، أن الإدارة الأمريكية قد اتخذت قرارًا بإنهاء نظام الملالى بغض النظر عن تكلفة القرار سياسيًا واقتصاديًا على النظام الدولى، الذى أصبح قيد التعديل والتطوير، وفق المنهج والرؤية الأمريكية غير المسبوقة مع ما سبق لسنوات طويلة مضت.
نقلا عن المصرى اليوم





