القمص يوحنا نصيف
يَذكُر القدّيس لوقا الإنجيلي أنّ الربّ يسوع كان يُعلِّم في الهيكل بالنهار، ويبيت بالليل في جبل الزيتون، وكان الشعب يُبَكِّرون إليه في الهيكل ليسمعوه (لو21: 37-38). وقُرْب عيد الفصح، كان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يقتلوه.. فدخل الشيطان في يهوذا الإسخريوطي، فمضى وتكلّم معهم بخصوص تسليم المسيح لهم، ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فِضّة (لو22: 1-6).
يُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذه الأحداث الخطيرة بعظةٍ هامّة، بل إنّه يُوصِي بأنْ تُقرَأ عظته هذه يوم "خميس العهد"، وهو يَسمّيه "خميس السِّر"، إذ أنّه اليوم الذي تمّ فيه تأسيس سِرّ الشكر (الإفخارستيا). في هذا المقال انتقيتُ بنعمة المسيح من تلك العظة بعض الفقرات الجميلة:
+ إنّ جمْعَ اليهود سويًّا مع رئيسهم وقفوا ضدّ مجد المسيح، وصارعوا ضدّ ربّ الكلّ. لكن يمكن لأيّ إنسان أن يُدرِك أنّهم أعدّوا فخّهم ضدّ نفوسهم ذاتها، لأنّهم حفروا لأنفسهم حُفَر هلاك، وكما يقول المرنّم: "تورّطَت الأمم في الحُفرة التي عملوها. في الفخ الذي أخفوه وقَعَت أقدامهم" (مز9: 15س).
+ لأنّ المُخَلِّص وربّ الكلّ، مع أنّ يمينه مقتدرة وقوّته تهزم الموت والفساد معًا، لكنّه أخضَعَ ذاته طواعيةً باتّخاذه الجسد، ليذوق الموت لأجل حياة الكلّ، لكيما يوقِف الفساد ويُبطِل خطيّة العالم، ويُخَلِّص الذين كانوا في قبضة العدو من طغيانه غير المُحتَمَل.
+ لكِن ربّما تَخَيَّلَتْ تلك الحيّة المتمرّدة أنّها قد سادَت حتّى على المسيح نفسه، لكونِهِ -كما قلتُ- عانى الموت في الجسد لأجلنا، كما تطلَّب التدبير (الإلهي)، ولكن ذلك الكائن التعيس قد خاب أمله. إذن دعنا نرى كيف أخطأ الهدف، وقَذَفَ (سهمَهُ) بعيدًا عن الهدف، عندما تآمَر على المسيح، وسلّمه لأيدي أولئك الذين قتلوه؟
+ كما قلتُ، كان يقضي الليالي في جبل الزيتون، متحاشِيًا أصوات الصَّخَب التي كانت في المدينة؛ لكي في هذا الأمر أيضًا يكون مثالاً لنا، لأنّه يجب على الذين يرغبون أن يحيوا حياة هادئة مُطمئنّة، أي مملوءة راحة، أن يتحاشوا على قدر المستطاع الازدحام والصَّخَب.
+ دعنا نرى خطّ سير خُبث إبليس.. إنّه قد زرع الحسَد ضدّ المسيح في رؤساء مجمع اليهود، والذي وصل إلى حدّ القتل، لأنّ هذا الداء (الحسَد) يؤدِّي عادةً إلى جريمة القتل.. هذا ما حدث مع قايين وهابيل، وهكذا كان واضحًا في حالة يوسف وإخوته.. لذلك طلب (اليهود) أن يقتلوا يسوع بتحريض الشيطان الذي غرس هذا الشرّ فيهم.. لأنّه هو نفسه مخترع القتل، وأصل الخطيّة، وينبوع كلّ شرّ.
+ يقول النَصّ: "فدخل الشيطان في يهوذا الذي يُدعَى الإسخريوطي، وهو مِن جملة الاثني عشر". لماذا لم يدخُل الشيطان في الطوباوي بطرس أو في يعقوب أو يوحنّا أو أيّ واحد آخَر من بقيّة الرسل، بل في يهوذا الإسخريوطي (بالذّات)؟ أيّ موضِعٍ وجده الشيطان فيه؟ فهو لم يستطِع أن يقترِب إلى أحدٍ من بين كلّ الذين ذكرناهم هنا، لأنّ قلبهم كان ثابتًا، ومحبّتهم للمسيح كانت غير متزعزعة، ولكنّه وَجَدَ له مكانًا في الخائن، لأنّ داء الطمع المُرّ قد قهره وتسلّط عليه، (هذا الداء) الذي يقول عنه بولس الطوباوي إنّه "أصل كلّ الشرور" (1تي6: 10).
+ الشيطان لكونه ماهرًا في عمل الشرّ، عندما يستحوذ على نفس أيّ إنسان، فإنّه لا يهاجمه بواسطة الرذائل عمومًا، بل بالحريّ يبحث عن الهَوَى الخاصّ الذي يَنغَلِب منه (ذلك الشخص)، وبواسطة ذلك الهَوَى يجعله فريسة له. لذلك فلأنّ الشيطان عرف أنّ يهوذا طمّاع، فإنّه اقتاده إلى الفرّيسيّين والرؤساء، ووعدَهم أنّه سيخون معلّمه. وهُم قد دفعوا ثمن الخيانة، أو بالحريّ ثمن هلاكهم بمالٍ مقدّس!
+ آه! أيّة دموع يمكن أن تكفي سواء على الذي خان يسوع مقابل أجر، أو لمن استأجروه فدفعوا ثمن جريمة قتل بمالٍ مقدّس! أيّة ظُلمة قد أتت على نَفْسِ الذي قبِلَ الرشوة! لأجل فضّة قليلة خسر السماء، وفقد إكليل الخلود، وكرامة الرسوليّة المحبوبة، وحسبانه ضمن عداد الاثني عشر، الذين قال لهم المسيح في موضعٍ ما: "أنتم نور العالم" (مت5: 14).
+ إنّه سَلّم للموت مَن هو أقوى من الموت.. هل نَسِيتَ كلماته: "أنا هو القيامة والحياة" (يو11: 25). ماذا كان إذن سبب مثل هذا الجنون المُطلق؟ يُخبِرنا الإنجيلي إذ يقول: "فدخله الشيطان"، إذ قد جعل شهوة الطمع مَعبَرًا وبابًا له.
+ إنّ "التقوى مع القناعة تجارة عظيمة"، وكما يقول الكتاب المقدّس "أنّنا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أنّنا لا نقدر أن نخرُج منه بشيء" (1تي6: 6-7)، "وأمّا الذين يُريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في تجربة وفخّ وشهوات كثيرة غبيّة ومُضِرّة، تُغَرِّق الناس في العطَب والهلاك" (1تي6: 9). والتلميذ الذي صار خائنًا هو برهان واضح على ذلك، إذ قد هلك لأجل قليل من الشواقِل.
[عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 140) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف





