هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بإدراج عدد من العقاقير – ومن بينها ما يُعرف اصطلاحًا بـ“الحشيش الاصطناعي” كـ«الأيس» و«الشابو» – ضمن جداول المواد المخدرة، تأسيسًا على أن الجهة التي أصدرت قرارات الإدراج ليست مختصة دستوريًا بإضافة مواد إلى جداول التجريم التي يترتب عليها المساس بالحرية الشخصية وفرض عقوبات جنائية سالبة للحرية.
هذا الحكم يثير جملة من الآثار القانونية الجوهرية، سواء بالنسبة للمتهمين الذين ما زالت التحقيقات جارية في مواجهتهم، أو بالنسبة للمحكوم عليهم الذين ينفذون بالفعل عقوبات صادرة استنادًا إلى تلك القرارات المقضي بعدم دستوريتها.
يقوم الحكم على مبدأ الشرعية الجنائية المقرر بالمادة (95) من الدستور المصري، والتي تنص صراحة على أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون”، وهو مبدأ يعلو على كل اعتبار، ويُعد من الضمانات الجوهرية للحرية الشخصية.
كما يتصل ذلك بالمادة (94) من الدستور التي تقرر خضوع الدولة للقانون، وأن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة.
ومؤدى ذلك أن التجريم والعقاب لا يجوز أن يُستمدّا إلا من نص تشريعي صادر عن السلطة التشريعية المختصة، أو من لائحة صادرة بناءً على تفويض تشريعي صريح ومحدد، وفي الحدود التي رسمها القانون. فإذا صدر قرار إداري بإضافة مادة إلى جداول المخدرات دون سند تشريعي صحيح أو من جهة غير مختصة، فإن هذا القرار يكون قد جاوز حدوده، واعتدى على اختصاص المشرع، وأقام تجريمًا بغير أداة دستورية سليمة.
وتنص المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 على أن أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة، وتنشر في الجريدة الرسمية، ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم، مع ما استقر عليه قضاء المحكمة من أن الحكم بعدم الدستورية كاشف عن عيب لحق النص منذ نشأته.
والقاعدة المستقرة في الفقه الدستوري أن الحكم بعدم الدستورية لا ينشئ وضعًا قانونيًا جديدًا، بل يكشف عن أن النص المطعون عليه كان معيبًا ومخالفًا للدستور منذ صدوره، فيُعد كأن لم يكن. ويزداد الأثر وضوحًا في المجال الجنائي، حيث يترتب على الحكم بعدم دستورية نص عقابي انعدام الأساس القانوني للتجريم والعقاب، وهو ما يتسق مع مبدأ “القانون الأصلح للمتهم” ومبدأ الشرعية.
وماذا عن أثر الحكم على القضايا المنظورة والتحقيقات الجارية؟.
بالنسبة للمتهمين الذين ما زالت التحقيقات جارية في مواجهتهم، فإن انعدام السند القانوني لإدراج المادة ضمن جداول المخدرات يترتب عليه انتفاء الركن الشرعي للجريمة. فالركن الشرعي – وهو وجود نص يجرم الفعل – شرط لازم لقيام الجريمة. فإذا سقط هذا الركن بحكم دستوري بات، امتنع تحريك الدعوى الجنائية أو الاستمرار فيها.
وعليه، يتعين على النيابة العامة إصدار قرارات بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية في الوقائع التي كان سندها الوحيد هو القرارات المقضي بعدم دستوريتها، كما يتعين على المحاكم القضاء بالبراءة في الدعاوى المتداولة، تأسيسًا على انتفاء التجريم.
ويتساءل المواطنين ما هو أثر الحكم على الأحكام الصادرة والمنفذة؟.
أما بالنسبة للمحكوم عليهم الذين صدرت ضدهم أحكام باتة استنادًا إلى تلك القرارات، فإن الحكم بعدم الدستورية يمس الركن القانوني الذي بُنيت عليه الإدانة. واستنادًا إلى ما جرى عليه قضاء محكمة النقض، فإن الحكم الصادر بالإدانة استنادًا إلى نص أو قرار ثبت عدم دستوريته يكون قد افتقد أساسه القانوني.
ويترتب على ذلك – بحسب الأحوال – حق المحكوم عليه في طلب وقف تنفيذ العقوبة، وفتح باب الطعن بطريق إعادة النظر أو سلوك الطرق القانونية المقررة لرفع أثر الحكم، باعتبار أن الفعل أصبح غير مؤثم قانونًا. ولا يُتصور استمرار تنفيذ عقوبة سالبة للحرية عن فعل لم يعد يشكل جريمة في ضوء الحكم الدستوري.
جدير بالذكر إنه ينبغي التمييز بدقة بين الحالات التي كان التجريم فيها قائمًا حصريًا على قرارات رئيس هيئة الدواء المقضي بعدم دستوريتها، وبين الحالات التي قد تستند إلى نصوص قانونية أخرى ما زالت سارية. فالأثر المباشر للحكم ينصرف إلى القرارات التي قضى بعدم دستوريتها، دون أن يمتد إلى نصوص قانون مكافحة المخدرات ذاتها إذا لم تكن محل طعن.
ومن ثم، فإن كل حالة تقدر بظروفها، ويتعين على جهات التحقيق والمحاكم فحص ما إذا كان السند الوحيد للإدانة هو القرار الملغى، أم أن هناك سندًا تشريعيًا مستقلًا قائمًا.
وفي تقديري لابد من التدخل التشريعي العاجل لان الحكم يكشف عن فراغ تشريعي محتمل في آلية إدراج المواد المستحدثة ضمن جداول المخدرات. وإذا كان الهدف من القرارات السابقة هو مواجهة الانتشار السريع للمواد التخليقية، فإن معالجة ذلك لا تكون بتجاوز الاختصاص الدستوري، وإنما عبر تدخل تشريعي صريح من مجلس النواب، يمنح – في حدود الدستور – سلطة محددة ومقيدة لوزير الصحة أو الجهة المختصة لإدراج المواد الجديدة، وفق ضوابط موضوعية ورقابة قضائية فعالة.
فالتوازن الدستوري يقتضي أمرين متلازمين: حماية المجتمع من أخطار المواد المخدرة، وصون مبدأ الشرعية الجنائية وعدم إنشاء جرائم أو عقوبات إلا بأداة صحيحة.
أن حكم المحكمة الدستورية العليا يُجسد انتصارًا لمبدأ سيادة الدستور، ويؤكد أن التجريم الجنائي لا يُبنى إلا على أساس تشريعي سليم. وتداعياته – سواء بالإفراج عن محبوسين أو القضاء بالبراءة في قضايا منظورة – استنادا لمبدأ دستوري راسخ: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص صحيح صادر من الجهة المختصة ووفقًا لأحكام الدستور.





