بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أن الحياة المُقدسة والشركة مع الله في هذا الصُوم، أساسها ستة أركان ينبغي أن نستُوعبها، ونعيش في عمق معانيها وهي:
 
أولاً: المسيح الملك، فلا يُمكن أن نستُوعب الحياة الملُوكية ونتلذّذ بها إلاّ بالتعرف على المسيح صاحب الملكُوت وجُوهره ومُؤسسه، وسنرى هذا تفصيلاً في النبُوات والأسفار، وكافة القراءات والألحان..
 
ثانياً: الجهاد الرُوحي، فإذا كانت السمة العامة للرُوحانية هي: الجهاد الرُوحي، والسهر واليقظة، ففي الصُوم الكبير، حيثُ التُوبة المصحُوبة بالصلاة والصُوم، والتغصّب وقمع الجسد والتذلّل..
 
ثالثاً: التسبيح والتعبد، حتى نشترك مع الملائكة في تسبيح الجالس على العرش مُنضمين إلى صفُوف السمائيين، وهذا مناخ ينبغي للمُؤمن أولاً أن يستنشقه، وينقل أريجه العطر للآخرين..
 
رابعاً: الأسرار والليتُورجيا، فالارتباط بالذبيح حمل الله في الكنيسة كُل يُوم، هُو سرّ دخُولنا إلى متعة الملكُوت السماُوي بالرّب الجالس على كرسي مجده المسجُود له من جميع القُوات..
 
خامساً: الخلاص والفداء، ودعا له من جميع الأمم جنساً مُختاراً مملكة وكهنُوتاً وأمة مُقدسةً وشعباً مبرّراً، وقد تم هذا بالفداء والصليب، فكيف ننجُو نحنُ إن أهملنا خلاصاً عظيماً هذا مقداره؟!
 
سادساً: الأبدية والحياة الجديدة، وهُو الهدف الرئيسي الخالد، والنهائي لرحلة الصُوم وعلاقته بالملكُوت، والمُؤمن مُطالب كُل يُوم أن يتذُوق الأبدية، ويرفع حُواسه عن الأرضيات والحياة الزائلة..
 
قراءات احد الأستعداد
والآن لنتأمل في إنجيل عشية حيثُ يتكّلم الرّب عن الجبل، فيقُول: ليكن لكُم إيمان بالله، لأني الحقّ أقُول لكُم: إن مَن قال لهذا الجبل، انتقل وانطرح في البحر، ولا يشُكّ في قلبه، بل يُؤمن أن ما يقُوله يكُون، فمهما قال يكُون له، لذلك أقُول لكُم: كُل ما تطلبُونه حينما تُصلُون، فآمنُوا أن تنالُوه، فيكُون لكُم، ومتى وقفتُم تُصلُون، فاغفرُوا إن كان لكُم على أحدٍ شيء، لكي يغفر لكُم أيضاً أبُوكُم الذي في السماوات زلاتكُم، وإن لم تغفرُوا أنتُم لا يغفر أبُوكُم الذي في السماوات أيضاً زّلاتكُم (مر22:11-26).
 
وفي إنجيل باكر يتكلّم عن الجميزة، فيقُول: احترزُوا لأنفُسكُم، وإن أخطأ إليك أخُوك فوبخه، وإن تاب فاغفر له، وإن أخطأ إليك سبع مرّاتٍ في اليُوم ورجع إليك سبع مرّاتٍ في اليُوم قائلاً: أنا تائب فاغفر له فقال الرُسل للرّب: زد إيماننا، فقال الرّب: لُو كان لكُم إيمان مثل حبّة خردلٍ لكنتُم تقُولُون لهذه الجميزة انقلعي وانغرسي في البحر فتطيعكُم..
 
ومَن منكُم له عبد يحرُث أو يرعى، فيقُول له إذا دخل من الحقل: تقدّم سريعاً واتّكىء، بل ألا يقُول له: أعدد ما أتعشّى به، وتمنطق واخدمني حتّى آكل وأشرب، وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت، فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أُمر به؟ لا أظن، كذلك أنتُم أيضاً، متى فعلتُم كُل ما أُمرتُم به فقُولُوا: إنّنا عبيد بطّالُون، لأنّنا إنّما عملنا ما كان يجب علينا..
 
نلاحظ أن: في إنجيل عشية وفي إنجيل باكر، حيثُ الذبيحة المسائية والذبيحة الصباحية، ومفتاحها في كلمتين: ثابرُوا، واعلمُوا أنّي أنا الله، أتعالى بين الأمم، أتعالى في الأرضِ (مز10:46).
 
فالمثابرة هي: معرفة عملية، أي ثابر وجاهد وقاوم، بينما نجد اعلم أو اعرف هي: معرفة نظرية، وفي الاثنين ستجد نفسك تتجه إلى الاتجاه السليم الذي يُريده الله منك، فهُو القائل: أنا هُو الطريق والحقّ والحياة (يو6:14)، ثابرُوا تتقابل مع إنجيل عشية الذي يتكلّم على الجبل، بينما اعلمُوا تتقابل مع إنجيل باكر الذي يتكلّم عن الجميزة، لأن مَن ذا الذي يقُول فيكُون، والرّب لم يأمر به، فالمثابرة بالإيمان يجعل الجهاد خفيف فتقُول: أستطيع كُل شيءٍ في المسيح الذي يُقوّيني..
 
الجميزة = رمز لإسرائيل، والبحر= رمز للأمم، والله يُريد بالإيمان أن ينقل الجميزة (إسرائيل)، ويغرسها في البحر (الأمم)، فيرى الجميع نُور السيد المسيح، فليُضىء نُوركُم هكذا قُدّام النّاس، لكي يرُوا أعمالكُم الحسنة ويُمجّدُوا أباكُم الذي في السماوات (مت16:5؛ 1تي4:2)، لأن الله الذي يُريد أن جميع النّاس يخلُصُون، وإلى معرفة الحقّ يُقبلون..  
 
نتأمل الآن في قرأة البُولس، فنجد أن مُعلمنا بُولس الرسُول يتكّلم عن كلمة: ثابرُوا، فيقُول: لا يظُن أحد أني غبيٌ، وإلاّ فاقبلُوني ولو كغبيّ لأفتخر أنا أيضاً قليلاً، الذي أتكلّم به لست أتكلّم به بحسب الرّب، بل كأنه في غباوةٍ في جسارة الافتخار هذه، بما أن كثيرين يفتخرُون حسب الجسد، أفتخر أنا أيضاً، فإنكُم بسرُور تحتملُون الأغبياء، إذ أنتُم عقلاء! لأنكُم تحتملُون إن كان أحد يستعبدكُم! إن كان أحد يأكلكم! إن كان أحد يأخذكم! إن كان أحد يرتفع! إن كان أحد يضربُكم على وجُهكم! على سبيل الهُوان أقُول: كيف أننا كُنا ضعفاء، ولكن الذي يجترىء فيه أحد، أقُول في غباوةٍ: أنا أيضاً أجترىء فيه، أهُم عبرانيّون؟ فأنا أيضاً، أهُم إسرائيليّون؟ فأنا أيضاً، أهُم نسل إبراهيم؟ فأنا أيضاً، أهُم خُدّام المسيح؟ أقول كمختلّ العقل: 
 
فأنا أفضل في الأتعاب أكثر، في الضّربات أوفر، في السجُون أكثر، في الميتات مراراً كثيرةً، من اليهُود خمس مرّاتٍ قبلت أربعين جلدةً إلاّ واحدةٍ، ثلاث مرّاتٍ ضُربت بالعصيّ، مرّةً رُجمت، ثلاث مرّاتٍ انكسرت بي السفينة، ليلاً ونهاراً قضيت في العمق، بأسفار مراراً كثيرةً..بأخطارٍ في البحر، بأخطارٍ من إخوةٍ كذبةٍ، في تعبٍ وكدّ، في أسهارٍ مراراً كثيرةً، في جُوعٍ وعطشٍ، في أصُوامٍ مراراً كثيرةً، في بردٍ وعريٍ، عدا ما هُو دُون ذلك: التّراكُم عليّ كُل يُومٍ، الاهتمام بجميع الكنائس، مَن يضعُف وأنا لا أضعُف؟ مَن يعثُر وأنا لا ألتهبُ؟ (2كو16:11-29).
 
بينما نجد في قرأة الكاثُوليكُون، أن مُعلمنا بُطرُس الرسُول يتكلّم عن كلمة: اعلمُوا، فيقُول: كما أن قُدرته الإلهية قد وُهبت لنا كُل ما هُو للحياة والتّقُوى، بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة، اللّذين بهما قد وُهب لنا المُواعيد العُظمى والثّمينة، لكي تصيرُوا بها شُركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشّهُوة، ولهذا عينه- وأنتُم باذلُون كُل اجتهادٍ- قدّمُوا في إيمانكُم فضيلة، وفي الفضيلة معرفةً، وفي المعرفة تعفّفاً، وفي التّعفف صبراً، وفي الصّبر تقُوى، وفي التّقُوى مُودّةً أخُويةً، وفي المُودّة الأخُويّة محبّةً، لأن هذه إذا كانت فيكُم وكثُرت، تُصيّركُم لا مُتكاسلين ولا غير مُثمرين لمعرفة رّبنا يسُوع المسيح، راجع (2بط3:1-8).
 
والرّب يسُوع يُحذّرنا، ويقُول: احترزُوا من أن تصنعُوا صدقتكُم قُدام النّاس لكي ينظُرُوكم، وإلا فليس لكُم أجر عند أبيكُم الذي في السماوات، وأما أنت فمتى صنعت صدقةً فلا تُعرّف شمالك ما تفعل يمينُك، لكي تكُون صدقتُك في الخفاء، فأبُوك الذي يرى في الخفاء هُو يُجازيك علانيةً..
 
تركز الكنيسة في أنجيلاليوم على الاستعداد، وتتحدث عن الصدقة والصلاة والصوم كممارسات تقوية، وعن أبانا الذي في السموات، وعن عدم الاتكال على المال، والبعد عن الرياء والغش والعصيان (أش 1: 3(
 
فهدف الكنيسة هو العبادة بلا رياء، والعمل في خفاء، والاتكال على الله، والتوبة الإيجابية وأعمال البر، فنرى ملكوت الله وتتدفق فينا الحياة الإلهية.
نسمع المسيح نبع الحياة ينادينا لكي نجعل كل كنوزنا في السماء ويحذرنا من محبة المال، (لا تقدرون أن تخدموا الله والمال، لا تهتموا لحياتكم.. اطلبوا أولًا ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم.. فلا تهتموا بالغد)
 
ويجوز أن نسمِّي هذا الأسبوع "أبانا الذي في السموات"، حيث نشعر باهتمام الآب بنا، فلا نعود بعد نهتم بالعالم موجهين أنظارنا نحو السماء.. إن سبب الأمراض النفسية والعصبية والقلق والخوف والرعب من المستقبل، هو أن كنزنا في الأرض حيث قبض الريح.