دكتوره نادية هنري
لم تكن ثورة 25 يناير 2011 حدثًا عابرًا في التاريخ المصري، ولا مجرد انفجار غضب اجتماعي انتهى بانتهاء لحظته في الشارع. كانت لحظة كاشفة، كسرت بنية صلبة من الصمت والخوف، وطرحت على المجتمع أسئلة كبرى عن الحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، والدولة، حتى وإن أُغلقت هذه الأسئلة سياسيًا لاحقًا بالقوة.
هل فشلت الثورة؟
إذا كان معيار النجاح هو تحقيق الأهداف السياسية المباشرة—إسقاط بنية الاستبداد، وبناء دولة مدنية ديمقراطية—فإن ثورة يناير قد فشلت فشلًا مرحليًا. لم تستطع تحويل لحظة الاحتجاج إلى مشروع تاريخي مكتمل، ولم تنجح في حماية مكتسباتها، بل انتهى المسار إلى إعادة إنتاج السلطة في صورة أكثر تشددًا وانغلاقًا.
لكن هذا الفشل لا يعني أن الثورة كانت خطأ، ولا أنها فقدت معناها.
هل ماتت الثورة؟
الثورات لا تموت كما تموت الأنظمة. ما يختفي هو الفعل، لا الوعي. ما يُهزم هو المسار السياسي، لا السؤال الأخلاقي. ثورة يناير اليوم ليست في الميادين، لكنها حاضرة في الذاكرة، وفي المقارنات، وفي إدراك الناس للفارق بين ما هو قائم وما كان ممكنًا.
ما الذي غاب عن ثورة يناير؟
غاب عنها ما هو أعمق من الحماس والشجاعة:
• غاب المشروع التنويري الذي يحدد بوضوح شكل الدولة والعلاقة بين السلطة والمجتمع.
• غاب الحامل الاجتماعي المنظم القادر على حماية الثورة بعد لحظة الانفجار.
• وغابت القيادة الفكرية والسياسية القادرة على إدارة الصراع طويل الأمد.
فكانت الثورة قوية في لحظة الهدم، ضعيفة في لحظة التأسيس.
هل انكسر حاجز الخوف؟
لم يُكسر حاجز الخوف إلى الأبد، لكنه تغيّر. ما عاد الخوف مطلقًا وبريئًا كما كان. الخوف اليوم هو خوف المعرفة، لا خوف الجهل. يعرف الناس أن ما يعيشونه ليس قدرًا، ويعرفون أن التغيير ممكن، لكنهم يعرفون أيضًا كلفته. وهذا الوعي ذاته هو أحد أهم ما أنجزته الثورة.
لقد جرى الضغط على ما أثمرته يناير سياسيًا، لكن لم يُمحَ أثرها المعرفي والأخلاقي.
إلى متى يصمد هذا التغيير؟ وهل ينتقل إلى الأجيال القادمة؟
التغيير الذي لا يتحول إلى تنظيم ومؤسسات يظل هشًا، لكنه لا يختفي. ما صمد هو فكرة الحرية، ورفض الإذلال، والسؤال عن العدالة. وهذه الأفكار لا تُورَّث تلقائيًا، لكنها تنتقل عبر الذاكرة والسرد والأسئلة المفتوحة التي تطرحها الأجيال الجديدة على واقعها.
قد لا تعيش الأجيال القادمة لحظة يناير، لكنها تعيش آثارها، وتتحرك داخل الأسئلة التي فتحتها ولم تُغلق.
لم تنتصر ثورة 25 يناير، لكنها أيضًا لم تُمحَ.
فشلت في تغيير النظام، لكنها نجحت في تغيير الوعي.
والوعي حين يتشكل، قد يُقمع ويُؤجَّل، لكنه لا يموت.
الثورات لا تُقاس فقط بما تُسقطه، بل بما تزرعه.
وما زُرع في يناير لم يقل كلمته الأخيرة بعد
و لمن فرحوا بموت حركة الشارع و مصرع الطموح للتغيير
احذروا
من يغلق ابواب التغيير
و يفتح ثقوب لتمرير ما يراه هو مفيد لسلطته
يخاطر
بانتحار وطن….





