بقلم الأب يسطس الأورشليمى
عُرف أحد الأغنياء ببخله الشديد، وإذ اشترى قطعة حلوى وحملها معه في الطريق إلى بيته، لكنها سقطت منه وامتلأت تراباً، إذ شاهد شحاذاً يطلب منه صدقة، فقدم له قطعة الحلوى وهو مُتذمر للغاية..
في المساء رأى في حُلم أنه جائع، فاتجه نحو فندقاً ضخماً ورأى أعداداً كبيرة من الناس، دخل ونادى أحد العاملين وطلب منه طعاماً، طال انتظاره فطلب من عامل ثان، وثالث..الخ، وأخيراً جاءه بقطعة حلوى مملوءة تراباً وفي غضب شديد قال: إني رجل غني أستطيع أن أدفع ثمن الطعام، أجابه العامل: إننا لا نقدم الطعام هنا مُقابل ثمن، إنما نُقدم ما سبق أن أرسله كل واحد إلينا في أيام غربته على الأرض، هنا مطعم الأبدية والحياة السعيدة ونحن نخدم البشرية القادمة، فنرد لها ما سبق أن قدمته..
كما فعلت يُفعل بك، إنك لم تشفق قط على يتيم أو أرملة أو محتاج أو متألم، عشت كل أيام حياتك وغربتك مستعبداً للذات، ولا تطلب إلا ما هو لشبعك وتنعمك، متجاهلاً كل مَن حولك، تجري وراء ملذاتك..
هب لي يارّب، أن أستعد ليوم رحيلي لأنقل إليك مما قدمت لي، فأجد لي مكاناً وطعاماً، وأنعم بحبك وأتمتع بك، يا مُشبع النفوس ومُفرح القلوب ومعزيها، لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يُعطى الإنسان فداءً عن نفسه؟ (مت26:16)، هل تقول مع بولس الرسول: مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ، لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه، مُتشبهاً بموته (غلا20:2؛ في10:3)..
معجزة الحب العجيب: أنه عنوان كتاب للمُؤلف الأمريكي "باري كوفمان" ويحكي فيه عن تجربته الشخصية، والتي كانت قصة عجيبة أثارت الأوساط الطبية والنفسية في الولايات المتحدة، فهي مثال ونموذج رائع على قدرة الحب في صنع المعجزات، فالحب هو الإكسير السحري القادر على فعل المستحيل (يو16:3؛ 1يو16:4) الله محبة، ومَن يثبُت في المحبة، يثبُت في الله والله فيه، وكما قال غاندي: حينما يوجد حب توجد حياة..
فبالحب وحده استطاع أب وأم في ريعان الشباب أن ينتصرا على اليأس والعلم الذي قرر استحالة شفاء ابنيهما الصغير (لم يتجاوز ثلاثة أعوام) من مرض الأوتيزم، أي التوحد الذي خرج به وهو في أولى مراحل عمره عن دائرة الوعي العقلي، وألقى به إلى ما وراء أسوار عالم الرؤية والسمع والإحساس والإدراك، ومع أن كبار أساتذة الطب النفسي قرروا أن هذا النوع من الجنون الذي أصاب الطفل غير قابل للشفاء مطلقاً، والمكان الوحيد للمرضى به هو مستشفيات الأمراض العقلية، حيث يعيشون بين جدرانها من المولد حتى الممات، أي ليس هناك أمل في الشفاء..
غير أن الوالدين الشابين رفضا قبول هذا وصمما على مواجهة الكارثة لقد كانت ثقة الأب "باري"، والأم "سوزي" في ابنيهما تفوق كل حدود العقل ورفضا أن يُسلما بالواقع وتمسكا بالأمل والرجاء في الرب الطبيب الشافي وقررا أن يعبرا به إلى بر السلام بالحب صانع المعجزات، والذي به استطاعا أن يعودا بابنيهما من دنيا الأوتيزم، وبعد رحلة من العناء والتعب استطاع الطفل أن يتخطى أعوام المرض ومُعوقات النطق والفهم والسمع والرؤية، ويواجه العالم وكل حواسه يقظة..
وبالرغم من أنه لم يتخطى الرابعة من عمره، أصبح يلعب على البيانو وتعلّم مبادىء القراءة والكتابة، كما أن طاقاته أصبحت تفيض بالسعادة والفرح، وحب الاستطلاع وسرعة الفهم وحكمة التصرف...الخ
اتصلا الوالدان بأشهر الأطباء لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة على الطفل، فقرّروا بأن مخ الطفل استعاد كامل سلامته لسبب ما لم يستطع أحد من أهل العلم أن يهتدي إليه، وأكد الأطباء على أنه لن يمض الوقت حتى يصبح الطفل من وجهة النظر الطبية والقانونية صحيحاً..
هذا يدل على أن الإرادة الشخصية مع الإيمان بالله، والتمسك بالرجاء والأمل، فهو النحلة الوحيدة التي تصنع عسلاً بدون رحيق، بدلاً من الاستسلام للتمزق والحزن والغضب واليأس وغيرها، لأن الله لم يُعطنا رُوح الفشل بل روح القوة والمحبة والنصح (2تي7:1)..





