عادل نعمان
والأممية الإسلامية هدف تيار الإسلام السياسى، ببساطة تكون الدول الإسلامية أو «الدول الدينية» تحت قومية سياسية واحدة مستقلة، تجمع تحت سلطانها كل المسلمين فى العالم، تتجاوز فى هذا كافة الحدود السياسية والعرقية والوطنية، وتسمى دولة الخلافة، تعتمد الولاء للإسلام كمحور رئيسى عن الولاء القومى أو الوطنى، ومن ثم فإن تلاشى الحدود السياسية وذوبانها بين الدول وتفتيتها والتقامها أمر ضرورى لإقامة هذه الأمة، وما تفرضه الضرورة من حروب وتهديد لأمن الدول، مما يجعلها خصماً وعدواً لكل دولة وطنية مستقرة، وخصيماً لكل جنسية من الجنسيات بل ولكل دين من الأديان يقتحم عليه حدوده ومبادئه.
ومن الضرورى أيضاً تشويه صورة المواطنة وهز استقرارها، وتقسيم المجتمع إلى مسلم وغير مسلم، ودماء أعلى قيمة ودماء أدنى، ومواطن درجة أولى ومواطن أقل، وإلصاق تهمة الكفر بالديمقراطية، على أن بديلها الشرعى هو أهل الحل والعقد، والمنوط بهم تغيير وتبديل واختيار الحاكم، وإنكار التداول السلمى للسلطة على أن البيعة لا تنفك عراها إلا إذا كفر الحاكم كفراً بواحاً، بل وصل الأمر إلى تشويه كل أنظمة الحكم الاشتراكية والمدنية والعلمانية، تارة بوصفها بالانحلال الأخلاقى وتارة بوصمها مناهضة لقيم ومبادئ الأديان، ولا يرى العامة من الناس النجاة من الفقر والمرض إلا تحت لواء الدولة الدينية فهى النجاة والخلاص، وذلك للتمسك بمنهج الله وشريعته ليس غير.
وتعالَ إلى الفرد المسلم وهو نواة هذه الأمة الإسلامية، بدونه لا قيام لها، ولا دولة أو خلافة أو أممية دونه، ومن ثم فمن الضرورى بناء هذه الأممية داخل الفرد المسلم وصبغته بصبغتها وانصهاره داخلها، حتى يكون جميع المسلمين على شكل وهيئة وثقافة وعقلية واحدة ومطبوعة على نسق واحد، وينفردون بها دون غيرهم، وتترعرع هذه القومية داخل الفرد المسلم، وتتقابل مهما تباعدت المسافات، وتزول الحدود والحواجز والنهايات داخل الجميع، وهى الخطوة الأولى لانهيار الفواصل والإشكاليات داخل بناء المواطن، ومن ثم شعوب هذه الدول، فتقف هذه الجموع تؤيد وتنتصر للأخ المسلم فى أى مكان على حساب الوطن والحدود والمواطنة ظالماً كان أو مظلوماً، وكان الحجاب والجلباب واللحى أول مراحل التمييز بين المسلم وغيره، بل والسلام والتحيات والشكر والامتنان ولغة الحوار والسيطرة على دور العبادة والجمعيات الخيرية والمدارس، والهيمنة على مفاصل اقتصادية هامة كتجارة العملة والذهب كلها أدوات لتمييز هذا المسلم عن غيره، مستقلاً عن سواه متفرداً ومتميزاً عن الآخر، مختلفاً عن الجميع، منصهر مع أقرانه من المسلمين فى بوتقة ثقافية اقتصادية واحدة عندها يشعر المواطن بالقومية داخله، ويكون المسلم الماليزى أكثر إخوة وقرباً له من المسيحى الذى يسكن بجواره.
ولا يقف أمر المواطن المسلم حال وجوده فى دولته المسلمة على ما ذكرناه فقط، بل هو مأمور بأن يسعى نفس السعى حين يعيش غريباً فى دولة غريبة، وينعزل نهائياً ثقافياً وحضارياً عن المجتمع الذى يحيا ويتعلم ويعمل فيه إلا عند الضرورة، وعليه ألا يبنى علاقاته فى دولة المهجر على المودة والسلام، أو يحافظ على التواصل الإنسانى والتبادل المعرفى، لكنه مأمور بأن يبغض ويكره هؤلاء جميعاً حتى لو أحسنوا إليه، بل العزلة وعدم الاختلاط معهم أمر محمود، فلا مودة ولا محبة إلا لمن كان على دينه حتى لو أساء إليه، محكوم صاحبنا بأحكام القبيلة داخل مجتمعات حرة، فالاختلاط فى مدارس المشركين، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم حرام شرعاً، ولا مودة إلا لأخيه المسلم، ولا علاقة مع الغير إلا فى العمل دون مودة أو ألفة، ومن ثم فإن هذا الانعزال والابتعاد هو فى ذات الوقت قرب إلى هذه القومية الإسلامية لحين البدء فى التنفيذ، فيكون الجميع على قلب رجل واحد حتى لو قامت على رقعة من الأرض محدودة كما حدث لدولة العراق والشام «داعش» حين سارع هؤلاء الإخوة بالتأييد والمباركة وهم على يقين أن هذه الدولة بنيت كبيت العنكبوت، وسوف تقهر بين ليلة وضحاها، إلا أن الثقافة التى تربوا عليها كما أسلفنا هى العروة الوثقى التى أقسموا عليها يوماً، دون النظر إلى النتائج حتى لو كانت الخسارة حتمية.
من هنا نبدأ فى تفكيك هذا البناء، وصهر هذه المادة اللاصقة التى تربط أفراد هذه التنظيمات، القادرة على إعادة البناء بسهولة ويسر إذا تعرض تنظيم منهم للهدم، فسرعان ما يواصلون ويستأنفون فى بناء آخر فى مكان آخر تحت مسمى جديد، فهم الأدوات الرئيسية فى بناء التنظيمات، فإذا كان الهدف هو القضاء على الإرهاب نبدأ من التعليم وتأكيد مفهوم المواطنة وبناء ثقافى واقتصادى متوازن ومحايد والأهم العدالة الاجتماعية وحرية الرأى والالتزام بالقانون.
«الدولة المدنية هى الحل»
نقلا عن المصرى اليوم





