هاني صبري - المحامي
عيد الظهور الإلهي ليس مجرد ذكرى تاريخية لاعتماد السيد المسيح في نهر الأردن، ولا هو عيدًا طقسيًا يرتبط بالماء والمعمودية فحسب، بل هو عيد الإعلان الإلهي الكامل، واللحظة التي فيها انشقّ الزمان ليُعلن الله ذاته كما هو إله واحد في ثلاثة أقانيم.
الظهور العلني الكامل للثالوث القدوس عند نهر الأردن، وقف التاريخ مبهورًا أمام مشهد لم يتكرر بهذه الصورة العلنية الواضحة:-
الابن: الكلمة المتجسد، يقف في الماء متضعًا، لا لأنه محتاج إلى توبة، بل ليقدّس المياه، ويبدأ علنًا طريق الفداء.
الروح القدس: نازلًا مثل حمامة، لا في رمز غامض، بل في ظهور منظور، شاهدًا للمسيح، ومُعلنًا مسحته الإلهية.
الآب: صوته يُسمع من السماء «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت» (متى 3: 17)
هنا لا نتحدث عن تعليم نظري أو استنتاج فلسفي، بل عن إعلان إلهي مباشر. الثالوث لم يُستنتج، بل أُعلن.
المعمودية في ذاتها سرّ عظيم، لكن عيد الغطاس يتجاوز فعل المعمودية إلى إعلان هوية الله.
في هذا اليوم لم نرَ مجرد ابن يعتمد، بل رأينا: تمييزًا واضحًا بين الأقانيم وحدة في الجوهر شركة في التدبير.
وهذا هو جوهر الإيمان المسيحي، الذي لم يُبنَ على المجادلات، بل على الظهور الإلهي.
ويتساءل الكثيرين كم مرة ظهر الثالوث القدوس في الكتاب المقدس؟
صحيح أن عيد الظهور الإلهي هو أوضح وأكمل إعلان علني للثالوث، لكن الكتاب المقدس يشهد لظهور الأقانيم الثلاثة معًا في مواضع أخرى، منها.
1. عند الخلق
«وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» (تكوين 1: 26)
الآب الخالق
الكلمة: «به كان كل شيء» (يوحنا 1: 3)
الروح: «وروح الله يرفّ على وجه المياه» (تكوين 1: 2)
إعلان غير مباشر، لكنه عميق الدلالة.
2. في بشارة التجسد
«الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعى ابن الله» (لوقا 1: 35)
3. في معمودية المسيح – عيد الظهور الإلهي وهنا الذروة، ظهور منظور - صوت مسموع - حضور متزامن
وهو الإعلان الأكمل الذي لا يقبل تأويلًا.
4. في وصية المعمودية
«عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» (متى 28: 19)
اسم واحد، وثلاثة أقانيم.
وهو نص لاهوتي حاسم.
5. في البركة الرسولية
«نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم» (2 كورنثوس 13: 14)
ليست صيغة أدبية، بل إيمان الكنيسة المُسلَّم.
عيد الظهور الإلهي يضع الإنسان أمام سؤال مصيري:
هل نعرف الله كما أعلن ذاته؟
أم نعيد تشكيله وفق تصوراتنا؟
في الأردن، لم يترك الله نفسه لغموض التأويل، بل كشف سرّه، ليس ليُربك العقل، بل ليُدخل الإنسان في شركة الحب الإلهي.
فالآب يحب
والابن يُخلّص
والروح يقدّس.
وهكذا، لم يكن الغطاس عيد ماء،
بل عيد نور. ولم يكن مشهدًا عابرًا، بل إعلان الإله الذي يريد أن يُعرف.





