القمص يوحنا نصيف
    + كان الملاك غبريال هو أول من كشَف، في العهد الجديد، عن رسالة السيِّد المسيح الله المتجسِّد، عندما قال للقديس يوسف النجار عن السيِّدة العذراء بخصوص حَبَلها الإلهي.. "ستلِد ابنا، وتدعو اسمه يسوع، لأنّه يخلِّص شعبه من خطاياهم" (مت1: 21).

    + ثمّ ظهرَ الملائكة بعد ذلك للرعاة، وقت ميلاد الرب يسوع، وقال واحِد منهم: "وُلِدَ لكم اليوم في مدينة داود مُخلِّص هو المسيح الرب" (لو2: 11). فالواضح تمامًا أن السيِّد المسيح جاء لكيّ يخلِّص العالم من الخطيّة. ولكن كيف؟! كيف سيحرِّر الناس منها؟ كيف يمحوها؟ كيف يكسر سلطانها؟!

    + هنا نأتي لشهادة القديس العظيم يوحنا المعمدان، الذي أرسله الله ليكون الملاك الذي يهيِّئ الطريق أمام الربّ المُخلِّص، فعندما نظر يسوع مُقبِلاً إليه قال: "هوذا حَمَلُ الله الذي يرفع خطيّة العالَم" (يو1: 29). وهنا يتّضح لنا الأمر؛ فالسيِّد المسيح سيخلِّصنا من خطايانا، بأن يرفع هذه الخطايا عن عاتقنا ويحملها عنّا.. هو الحمَل البريء، غير المحدود بلاهوته، يتّحد بالبشريّة فيحمل خطايا العالم كلّه ويبيدها، ويقدِّم نفسه ذبيحة ليفتدي الخطاة، فيصيروا مُبرَّرين به.. بمعنى أنّها مبادَلة خلاصيّة؛ هو يأخُذ ما لنا من خطايا لكي يعطينا ما له من بِرّ!

    + لذلك لا نتعجّب أنّه أخذ جسدًا مثلنا، وعاش وسط الخطاة، وهو بلا خطيّة.. وتقدَّم إلى يوحنا ليعتمد مثل الخطاة، إذ أنّ هدفه أن يُمَثِّل الإنسان الخاطئ أمام الله.. وبينما هو في هذه الصورة المُتّضعة جدًّا، يُمجِّده الآب بصوت من السماء: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُرِرت" (مت3: 17). ثمّ حلّ الروح القدس في هيئة حمامة مُستقرَّة عليه؛ وهو اقتبل الروح لأجلنا لكيّ يجعل روحه مستقرًّا في طبيعتنا البشريّة، ولا يفارقنا مرّة أخرى إلى الأبد!

    + لعلّ الله المتجسِّد كان في هذا الموقِف يرسم أمامنا الطريق للمجد؛ بأنّ نتّضع مثله ونسير في نفس خطواته المتّضعة.. فكما حمل خطايانا وأثقالنا نفعل نحن أيضًا مع إخوتنا مُنَفِّذين وصيّة الإنجيل "احملوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا تمِّموا ناموس المسيح" (غل6: 2).

    + بوجه عام، ما عجز عنه الإنسان جاء المسيح ليقوم به لحسابنا.. فالإنسان أخطأ، ولكنّه لم يعترف بخطيئته، ولم يقف أمام الله كخاطئ، بل أخذ يبرِّر نفسه ويلقي باللوم على آخرين (تك3: 12-13).. ولهذا جاء المسيح ووقف في وضع الخاطئ أمام يوحنا الكاهن، الذي تعجَّب من هذا وامتنع أولاً عن تتميم المعموديّة له، إذ أنّ المعموديّة للخُطاة فقط.. ولكنّ السيِّد المسيح باتّضاعه وتدابيره الإلهيّة التي تفوق العقول أصرّ على تكميل البِرّ الذي عجز عنه الإنسان.. بِرّ الاتضاع وإنكار الذات، بِرّ حمل أثقال الآخرين، بِرّ التوبة والرجوع إلى الله؛ المُتَمَثِّل في شخص الكاهن وكيله المنظور. ولذلك قال المسيح ليوحنا: "اسمح الآن. لأنه هكذا يليق بنا أن نكمِّل كل بِر" (مت3: 15).

    + هذا الحَمَل الإلهي الذي بغير خطيّة يتقدّم اليوم لينحني تحت يد يوحنا الكاهن، لكي يكون سابقًا لنا فاتحًا لنا الطريق إلى اقتناء برّ الله، عندما نسير وراءه متمثِّلين به في توبة حقيقيّة صادقة واعتراف صريح بخطايانا أمام الكاهن وكيل أسرار الله، لكي ننال غفرانًا وتبريرًا وحياةً جديدة!

    + فعندما نعترف بخطايانا تنتقل من علينا ليحملها الله عنّا.. ولعلنا نتذكّر داود النبي عندما اعترف قائلاً: "قد أخطأتُ إلى الرب" فسمع في الحال من ناثان النبي القول: "الربُّ أيضًا قد نقل عنك خطيّتك. لا تموت.." (2صم12: 13).. وهذا ما يحدث في سرِّي الاعتراف والتناول إذ يأخذ الأب الكاهن الخطايا التي اعترفنا بها وينقلها إلى الذبيحة الإلهيّة في القدّاس قائلاً: "يا الله الذي قبل إليه اعتراف اللص اليمين على الصليب المكرّم، اقبل إليك اعترافات شعبك، واغفر لهم جميع خطاياهم، من أجل اسمك القدوس الذي دُعِيَ علينا، كرحمتك يارب ولا كخطايانا".. وقبل أن نتناول من الذبيحة يصرخ الكاهن قائلاً: "يُعطَى عنّا خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياةً أبديّة لمن يتناول منه".

    + الله يريد أن يبرِّرنا، ويهبنا الحياة الأبديّة.. لذلك فقد أكمل الناموس عنّا بكلّ اتضاع، ورسم لنا طريق التبرير من خطايانا خلال الأسرار الكنسيّة المقدّسة، التي يعمل روحه القدُّوس فيها، لأجل تبريرنا وتقديسنا وتهيئتنا لشركة الحياة الأبديّة المجيدة معه.. من أجل هذا نسبِّحه ونمجّده ونزيده علوًّا، لأنّه صنع معنا رحمةً كعظيم رحمته..!

    + السيد المسيح دخل إلى مياه الأردن ليغسل طبيعتنا، ويجدّدها. فتستحقّ أن تُمسَح فيه بالروح القدس، وعندها يَشهَد الله الآب لكلّ واحد منا قائلا: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت3: 17).. "هذِهِ هِيَ شَهَادَةُ اللهِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا عَنِ ابْنِهِ. مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ..." (1يو5: 9-11).
    هكذا أكمل الرب كلّ برٍّ لأجل خلاصنا.

    بركة عيد الغطاس المجيد تكون معنا جميعًا. آمين.
القمص يوحنا نصيف
يناير 2026م