بقلم الأب يسطس الأورشليمى
اولأ : صديق من السماء !!
لقد عانيت من آلام شديدة، وأحسست إني غير قادر على القيام بفتح الباب لذلك تركته مفتوحاً، وإذ اشتدت بي الآلام جداً أمسكت بالكتاب المقدس مصدر تعزيتي، وشعرت بالحاجة إلى صديق يُعزيني، وأن أتحدث مع أرميا النبيّ الباكي، ثم رفعت عيني إلى الله صارخاً: أرسل لي أرميا ليُعزيني، فظهر لي النبيّ في الحال، ودخلنا معاً في حوار مُعز..
حقاً عزيزي المحبُوب: بلا شك أنك مُحتاج مثلي إلى أصدقاء يُلازمونك ويسندوك، ليس صديق أعظم من الله الكلمة، تلتقي معه حين تقرأ الكتاب وخلاله تدخل في حوار مع صديقك الإلهي، واهب الحياة ومُعطي الخيرات ومُشبع النفوس، فتقول له: بكلامك أتلذّذ وبكلامك أحيا، وجدت كلامك حلو فأكلته، خبأت كلامك في قلبي لكيلا أخطيء إليك (مز119)..
خلال الإعلان السماوي المكتُوب، يرفع الرُوح القُدس قلبك وفكرك وكُل أعماقك إلى السماء، فلا تجعل قراءتك للكتاب المُقدس، روتيناً تلتزم بتنفيذه ولا لتهدئة ضميرك، وإنما خلاله تلتقي بالسمائيين مع القديسين، فتجد الكُل معك يحبُونك، ويسندُونك، ويرشدُونك في غربتك على الأرض..
قد أصلي لك كُل صباح ومساء، لكنني لا أعرف كيف أتحدث معك في علاقة شخصية قُوية، أمارس العبادة، لكن أعماقي متحجرة، علمني كيف أدخل إلى العمق، والتقي بك يا نبع ومصدر البركات!!
+ + +
ثانياً: خلال الزجاج الشفاف !!
جلس أحد الأغنياء مع نفسه يتساءل: ماذا أنتفع بكُل هذا الغنى، وأنا أشعر بفراغ شديد في أعماقي؟! ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه، أو ماذا يُعطي الإنسان فداءً عن نفسه؟! (مت26:16)..
ذهب الغني إلى رجل حكيم يشكو له مشاعره الداخلية، طالباً منه مشورة حكيمة، أخذه الرجل الحكيم نحو النافذة، وتطلع كلاهما من الزجاج نحو السماء، ثم سأل الحكيم الغني: ماذا ترى؟! قال الغني: أرى السماء بزرقتها الجميلة وبهائها، سأله: أنظر إلى الشارع، ماذا ترى؟! أناساً كثيرون..
قدم الحكيم للغني مرآة ثمينة، وسأله قائلاً: ماذا ترى فيها؟ أجاب: أرى صورتي، عندئذٍ قال الحكيم: خلال الزجاج الشفاف الرخيص ترى السماء بجمالها والناس أخوتك، أما خلال المرآة الثمينة، فلا ترى سوى صُورتك فقط، لأن لمعان الفضة يحجب عنك رُؤية السماء ببهائها والتطلع إلى الناس لتنشغل بصورتك وحدك، وتنحصر في سجن الأنا القاتل للنفس..
هذا ما تفعله محبة الفضة اللامعة، يارّب أنزع مني محبة الفضة، والمال الذي يبدو ثمين جداً في أعين الكثيرين، فيملك عليهم ويستعبدهم، ويحرمهم من رؤية السموات، ويحبسهم في سجن الأنا، لأن الخليقة نفسها أيضاً ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله (رو16:8)..
+ + +
ثالثاً: أنا لست وحدي !!
هذه قصة واقعية قد لمستها بنفسي، فإن كُنت وأنت بعد في الجسد يمكنك بالحاسة السادسة أن تُشارك أحباءك مشاعرهُم أينما وجدُوا..
فقد حدث أن وجدت أحد الطلبة في حالة ارتباك شديد، حيث تخيل أن والده بالصعيد قد توفى اليوم، مع أنه غير مريض، وأصرّ أن يترك امتحاناته ويسافر إلى الصعيد، حاولت تهدئة نفسيته وقلت له: لنرسل تلغرافاً لوالدك نسأل عن صحته وننتظر الرد، استصُوب الفكرة، وفي اليوم التالي جاءه الرد: والدك مريض بالمستشفى، أحضر بعد الامتحانات..
أكمل الطالب امتحاناته وسافر، ليجد أنه في اللحظات التي فيها صرخ: والدي توفى، كان قد رقد بالفعل، وهذا ما يدعُوه علماء النفس بالحاسة السادسة، بها يشعر الإنسان بأمُور غير منظُورة، وكأنها منظُورة ..
كم بالأكثر، أولئك الذين تركُوا الجسد، وانطلقت نفُوسهم إلى الفردُوس، يعيشُون مع الله في محبة كاملة، يشعرُون بك ويطلبُون لأجلك كي تُشاركهم مجدهم، قلوبهم اتسعت بالأكثر، وامتلأت بالحُب نحُوك، ليكن لك أصدقاء من الفردُوس يشاركُونك مشاعرك ويعملون لحسابك، فلا تعش في عزلة قاتلة، عاش البابا" كيرلس السادس" صديقاً لمار مينا، وأبونا "بيشوي كامل" صديقاً لرئيس الملائكة ميخائيل، ولكثير من القديسين، فأعطوه قوة وامتلأت حياته بالإيمان والرجاء والمحبة..
+ + +
رابعاً: كلهُم دنسُون، كلهُم أطهار !!
جاءني شاب حضر الاجتماع لأول مرة، بدأت أتحدث معه عن إمكانية الله في حياة الإنسان ليعيش طاهراً، مُقدماً له أمثلة واقعية من الكتاب المُقدس وتاريخ الكنيسة والشباب المعاصر، قال لي: أتظن أنني أستطيع أن أعيش طاهراً؟! قلت له: هذا هو عمل المسيح برُوحه القدُوس فيك..
بعد أسابيع قليلة جاءني الشاب يقُول: أتتذكرني، أريد أن أقول لك أن كُل هُؤلاء الشبان أطهار، ولست أظن أن بينهم إنسان دنس، قلت: كيف هذا، ألم تقل منذ أسابيع قليلة أنهم جميعاً دنسُون، ولا يُوجد إنسان طاهر؟!
قال الشاب: حين كان قلبي دنساً ظننت أنه لا يمكن لشاب أن يعيش طاهراً، والآن إذ اختبرت الطهارة في المسيح يسُوع، لا أصدق أن إنساناً يقدر أن يعيش في وحل الدنس، بل أرى أن الكُل يستعذبُون العفة والطهارة ولا يطيقُون الفساد والدنس وحياة الفجُور...الخ
حقاً أنها قصة واقعية أقدمها لكُل مُؤمن، كي يختبر بنفسه غنى نعمة مسيحنا الذي يهبنا برّه فنستعذبه، وكما قال الرسُول: ويحي أنا الإنسان الشّقيّ! مَن يُنقذني من جسد هذا المُوت؟ أشكر الله بيسُوع المسيح ربنا!! لأنه أية خلطةٍ للبرّ والإثم؟ وأية شركةٍ للنُور مع الظلمة؟ وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟ وأي نصيب للمُؤمن مع غير المُؤمن؟ وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان ؟! فالمسيحية لا تعترف بأنصاف الحلول..
خامساً: مَن هُو الرفيق الأبدي ؟!
إنها قصة بسيطة، تُصُور لنا مُوازين السماء التي تختلف تماماً عن الحسابات البشرية، فالله يُريد منا الإيمان العامل بالمحّبة، أي الحب العملي باتحادنا بالحب الحقيقي، الذي بُذل عن البشرية كُلها (يو16:3)..
ليس برتبة الإنسان، أو مركزه الديني وراء إكليله الأبدي، وإنما بأمانته وحبه، فرصيدنا في السماء بحبنا وطاعتنا للوالدين، ومرشدينا الرُوحيين في الرّب يسُوع، فالمنازل هناك في السماء لا تُقام طبقاً للثراء والجاه والنفوذ، وإنما تُقام طبقاً لكُل عمل فيه حُب، وخير، وحقّ، وجمال..
قيل أن: معلماً عظيماً نشأ منذ طفولته في حياة التقوى، وكرّس كُل مُواهبه وطاقاته، ووقته للعبادة، ودراسة الكتاب والتعليم..
رفع عينيه نحو السماء مُشتهياً أن يرى ما أعده الله له، فسمع في حُلم صوتاً يُناديه: تهلّل يا يشوع فإنك أنت، و نينس تجلسان معاً في الفردُوس وتنالان مكافأة متساوية، أنظر الكتاب (لو43:23)..
استيقظ من نومه منزعجاً وذهب ليعرف شيء عن حياة نينس، وبعد جهد كبير ومعاناة شديدة عثر عليه، فطلب منه من أجل المحبة أن يقص عليه قصته، فقال له: أنا إنسان فقير، أمارس حياتي اليومية ككُل البشر، والدي ووالدتي عجوزان ومريضان، أقوم كُل صباح بغسل أرجلهم وأيديهم وألبسهما ثيابهما، وأجد لذتي ومتعتي في خدمتهما..
إذ سمع المعلم يشُوع ذلك، انحنى أمامه، وقال له: مبارك أنت يا ابني، كم أنا سعيد أن أكُون رفيقك في فردُوس النعيم !!





