د.ماجد عزت إسرائيل
لم يأتِ ميلاد السيد المسيح في زمن سلامٍ أو استقرار، بل وُلد في عالمٍ مضطرب، تحت الاحتلال، مثقل بالخوف والعنف والقلق. ومع ذلك، كان الإعلان الأول لميلاده إعلان سلام: «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ»." (لو 2: 14).
إنّ هذا السلام الذي بشّر به الملائكة ليس سلامًا سياسيًا عابرًا ولا غيابًا مؤقتًا للصراع، بل سلامٌ نابع من حضور الله نفسه في وسط البشر. لذلك قال السيد المسيح لاحقًا لتلاميذه: «سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا» (يو 14: 27). في زمننا الحاضر، حيث تتكاثر الحروب والانقسامات ويثقل القلق قلوب البشر، يبدو السلام أكثر ما نفتقده وأكثر ما نحتاجه. ويذكّرنا ميلاد المسيح بأن السلام لا يُفرض بالقوة، بل يُولد في القلب حين يُفسَح مكان لله، كما فُسِح له مكان في مزودٍ متواضع.
ويضعنا ميلاد المسيح أمام حقيقة لاهوتية وروحية عميقة، عبّر عنها إشعياء النبي بقوله:«لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ» (إش 9: 6).
فهذا السلام ليس وعدًا نظريًا ولا فكرة مجرّدة، بل عطية إلهية تُمنَح لمن يقبل حضور الله في حياته. ولذلك لا يظهر السلام في الكتاب المقدس بوصفه غيابًا للصراع فقط، بل ثمرة لعلاقة حيّة مع الله، ووصية تُعاش يومًا بعد يوم. هكذا يجتمع في شخص المسيح البُعدان معًا: السلام عطية تُوهَب، ومسؤولية تُحيا، كما يوصي الرسول بولس: «عِيشُوا بِالسَّلاَمِ، وَإِلهُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلاَمِ سَيَكُونُ مَعَكُمْ » (2 كو 13: 11).
فإنّ السيد المسيح، الذي دُعي في النبوة «رَئِيسَ السَّلاَمِ»(إش 9: 6)، لم يبدأ رسالته بالسيف ولا بالهيمنة، بل بالوداعة والمحبة والغفران. ولذلك قال: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ يُدْعَوْنَ» (مت 5: 9).
ومن هنا، فإن عيد الميلاد المجيد ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل دعوة متجددة لأن نكون شهودًا للسلام في عالمٍ مجروح. سلام يبدأ من المصالحة مع الله، ويمتد إلى مصالحة الإنسان مع أخيه، ومع نفسه، ومع العالم من حوله. وهكذا، يظل مولود المزود رسالة رجاء:أن السلام، مهما بدا بعيدًا، ممكنٌ حين يولد المسيح في القلوب، وحين يتحوّل الإيمان به إلى حياةٍ تُعاش لا كلماتٍ تُقال.
الخلاصة أنّنا في زمنٍ تتكاثر فيه أسباب الخوف والاضطراب، يبقى ميلاد السيد المسيح دعوة مفتوحة لكل إنسان ليختبر سلامًا لا يمنحه العالم ولا تستطيع الظروف أن تنتزعه. إنّه سلام يولد حين نفتح القلوب لله، وحين نسمح للمزود أن يتحوّل في داخلنا إلى موضع سكنى للنعمة. وهكذا،يصبح عيد الميلاد شهادة حيّة بأن رجاء السلام ما زال ممكنًا، وأن نور المسيح قادر أن يبدّد ظلمة العالم، قلبًا فقلبًا.





