بقلم: هاني صبري لبيب – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
أثارت التصريحات المنسوبة إلى وزير العمل بشأن تنظيم إجازات الأعياد الدينية للعمال المسيحيين جدلًا مشروعًا في الأوساط المجتمعية والقانونية، لا بسبب أصل الحق في الإجازة، فهو حق مستقر لا خلاف عليه، وإنما بسبب الصياغة والمصطلح المستخدم، وما يحمله من دلالات دستورية تمس جوهر مبدأ المواطنة.
فقد ورد في التصريح أن «العمال غير المسلمين يستحقون، بالإضافة إلى الإجازات المنصوص عليها، إجازة في أعيادهم الدينية، وفقًا لأحكام قرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في هذا الشأن». وهو تعبير، وإن بدا في ظاهره تنظيميًا، إلا أنه أثار ضيقًا واسعًا بين كثير من المواطنين المسيحيين، لما ينطوي عليه من توصيف سلبي يقوم على النفي لا على الانتماء، ويُخالف صريح النص الدستوري.
ذلك أن الدستور المصري، في المادة الثالثة منه، لم يستخدم مصطلح «غير المسلمين»، وإنما نص صراحة على أن: «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية».
وهو نص بالغ الدلالة، إذ يؤكد أن الدستور يعترف بالمواطن لا بوصفه استثناءً من الأغلبية، بل باعتباره كيانًا أصيلًا مُعرَّفًا باسمه وهويته الدينية، لا بوصفٍ سلبي يُعرّفه بما ليس هو عليه.
ومن ثم، فإن أي نص قانوني أو قرار إداري يستخدم تعبير «غير المسلمين» يكون – من حيث المبدأ – مخالفًا للنهج الدستوري، ويتعين مراجعته أو إلغاؤه التزامًا بقاعدة سمو الدستور، واحترامًا لمبدأ المشروعية.
ويُحسب لوزير العمل أنه عاد وعدّل صياغة تصريحه، مستخدمًا تعبير «الإخوة المسيحيين»، في خطوة إيجابية تعكس إدراكًا لحساسية المصطلحات، ورغبة في تصويب المسار. غير أن هذا التوصيف، رغم حسن النية، لا يرقى كذلك إلى مستوى الخطاب القانوني الرسمي المنضبط، إذ أن التعبير الأدق والأكثر اتساقًا مع الدستور هو: «المواطنون المصريون المسيحيون».
فالخطاب الرسمي لا يُبنى على المجاملات الوجدانية، بل على مصطلحات قانونية واضحة تُرسخ المساواة، وتُجنب أي إيحاء بالتمييز أو التمايز غير المبرر.
ويزداد الإشكال تعقيدًا عندما يُقسّم القرار إجازات المسيحيين وفقًا للطوائف (أرثوذكس، كاثوليك، بروتستانت)، وهو تقسيم يفتح بابًا لإشكالات عملية وقانونية جسيمة؛ إذ إن المواطن المسيحي غير مُطالب قانونًا بإثبات مذهبه في أي محررات رسمية، باستثناء مسائل الزواج والأحوال الشخصية.
فكيف يُطلب منه في بيئة العمل أن يُثبت انتماءه المذهبي؟
وكيف يُتعامل مع من يغيّر انتماءه الكنسي ثم يعود إليه؟
وهل يُعقل أن تتحول جهة العمل إلى ساحة فحص للمعتقد والمذهب؟
إن هذا النهج، مهما حسنت نواياه، يُهدد الاستقرار داخل بيئة العمل، ويفتح الباب لنزاعات لا داعي لها، وكان الأجدر – والأبسط – أن تُقر إجازات للأعياد المسيحية بوجه عام، دون أي تقسيم مذهبي، احترامًا للخصوصية الدينية، وتجنبًا لأي تصنيف غير لازم.
إن الدولة المدنية الحديثة لا تُدير شؤون مواطنيها على أساس الطوائف، بل على أساس المواطنة الجامعة، وهو ما يفرض إعادة النظر في الصياغات القانونية القديمة التي لم تعد تتسق مع الدستور الحالي.
اقتراح مادة قانونية جديدة
اتساقًا مع أحكام الدستور، وترسيخًا لمبدأ المواطنة والمساواة، نقترح إضافة مادة إلى قانون العمل – أو تعديل النصوص القائمة – على النحو الآتي:
مادة (…): يُستبدل بعبارة «غير المسلمين» الواردة في هذا القانون أو أي قانون آخر، أينما وجدت، عبارة «المصريين المسيحيين»، وذلك دون إخلال بالحقوق المقررة للمواطنين اليهود، اتساقًا مع أحكام المادة (3) من الدستور، وترسيخًا لمبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون.
إن مراجعة المصطلحات ليست مسألة لغوية شكلية، بل شأن دستوري أصيل، يعكس احترام الدولة لمواطنيها جميعًا، ويُعزز الثقة في مؤسساتها، ويحقق الاستقرار داخل بيئة العمل، بعيدًا عن أي تصنيف أو توصيف يمس جوهر الانتماء الوطني.
فالدستور لم يعرف المصريين بالنفي، وإنما عرّفهم بالانتماء، وعلى التشريع أن يسير دائمًا في ذات الطريق.





