بقلم الأب يسطس الأورشليمى
شابة صغيرة إلا أنها حكيمة وكانت تخاف اللـه وقد أرغمها والداها على الزواج من نبيل من روما وهي في سن الثالثة عشرة، وقد تمسكت بأقوال القديسة ميلانية وزادت إرتباطها باللـه، وقد مات ابناها ومكثت مع زوجها بنيانوس، وكان من طبقة عالية، وقالت له: " لو أنك عشت معي حياة النقاوة (بدون علاقات زوجية) فسأعتبرك زوجي وسيدي طول الحياة، وأن لم ترغب خذ كل ما أملك وأتركني حرة من شهوات الجسد، لكي أكون مثل تلك السيدة التي سميت باسمها، ولو كان اللـه يريد أن أحيا حياة العالم ما أخذ طفلي اللذين ولدتهما ( وهو درس لكل نفس)، وبعد مناقشة استمرت وقتا طويلا لهذا الأمر إمتلأ قلبه بحب الرب لدرجة أنه لم يفكر في الماديات، وتحققت فيه أقوال الرسول بولس ( كيف تعلمين أيتها المرأة هل تخلصين الرجل؟ أو كيف تعلم أيها الرجل هل تخلص المرأة) (1كو 7 :16)، وبذلك فقد إنسحبت من العالم وهي في سن العشرين من عمرها وقدمت ما عندها من حرير للكنيسة وأعطت ذهبها وفضتها لراهب من دالماطيا باليونان، وجاء به إلى دلتا مصر وصعيدها وأنطاكية والاراضى المقدسة، حيث تم توزيع مالها على الأديرة وعلى الفقراء، وقد جاهدت مع زوجها في الحياة النسكية، وأما هو فقد عاش مع ثلاثمائة راهب وكان يقرأ الكتب المقدسة ويعمل في حديقة الدير، ويشرح مبادئ الإيمان للناس، ثم رقد بسلام وقلده كثير من أقاربه حيث تركوا كل أموالهم للفقراء وعاشوا في نسك إلى أن رقدوا بسلام، أما ميلانية فقد أختارت هي الأخرى السلك الرهبانيٍ.
بعد قضاء سبع سنوات في أفريقيا وصلت ميلانية مع أمها إلى القدس وأتخذت لها مسكنا في نزل قرب كنيسة القيامة، وما تبقى لديها من مقتنيات وهبته للتوزيع على الفقراء، وكانا ينويان (هي وأمها) القيام بعمل خيري لكل إنسان فى الخفاء دون أن يراهما أحد، وقد أسرت ميلانية إلى جرانتيوس بأنها قررت منذ بداية الإقامة في القدس أن يوضع اسمي واسم امي على قائمة الفقراء كي نتلقى الصدقات ونعيش كالمتسولين.
وبعد رحلة قامت بها إلى إيطاليا وأسبانيا حيث باعت ما تبقى لها من ممتلكات والتي هبطت أسعارها بسبب إجتياح القوط بقيادة الأريك لتلك البلاد، أقتصرت ميلانية على الإقامة في صومعة ضيقة على جبل الزيتون، كانت والدتها قد أبتنتها لها، وكان ذلك بعد عيد الغطاس (الظهور)، حين أقفلت على نفسها وجلست هناك في المسوح والرماد دون أن تحدث أحد باستثناء أمها رفيعة القداسة وأخيها الروحي، وحتى هذين كانت تكلمهما في أيام معينة، وهنا تكونت مجموعة من تسعين فتاة عذراء، كانت تقيم في تلك المؤسسة، حيث حفرت بئر لكي يحول ذلك دون خروج إي من الأخوات إلى خارج الدير، وكان يحظر عليهن جميعا التحدث مع الرجال، وقد أدخلت ميلانية في جمعية أخواتها نساء من الأحياء المشبوهة في المدينة، أما هي فإمتنعت عن تتولى وظيفة الرئيسة المشرفة، وكانت تخدم الجميع بمنتهى الرقة والمشاركة في الشعور، وكثيراً ما كنت تحث الأخوات على إطاعة إرادة اللـه، ومن قولها: " إذا نحن إستثنينا الطاعة وهي ذخر ثمين لا يفوقه شئ فإن النظام ينهار وحيث ينعدم النظام يتعثر السلام أيضا"، كانت ميلانية دائمة التخوف من أن يؤدي الإفراط في الزهد وأماتة الكبرياء إلى الكبرياء قامت ميلانية بزيارة القسطنطنية، وبهذه المناسبة التمست من الإمبراطور ثيودوسيوس الثانى أن يسمح لزوجته الإمبراطورة افذوكيا التوجه إلى الأرض المقدسة، ولما بلغ النبأ مدينة القدس أن افذوكيا قد وصلت أنطاكيا سافرت ميلانية إلى صيدا لملاقتها، ولدى اللقاء المشهود بين المرأتين ينسب إلى الإمبراطورة التقية قولها: " أني اشكر اللـه على شيئين إثنين هما أنه اتيح لي أن ازور الأماكن المقدسة وأن أشاهد أمي لأن لي إشتياقا أن أكون جديرة بقربك المقدس مادمت تخدمين الرب في الجسد"، أندمجت افذوكيا كلياً في الشركة الداخلية لجمعية أخوات جبل الزيتون وميلها إلى الرهبان الذي نشأ هنا، كان له أثره عندما وقع الإنفصال بينها وبين بلاط بيزنطة في الأعوام 444م - 460م، وقد اؤتمنت في هذه الحقبة على حكم الأراضي المقدسة.





