بقلم هانى دانيال
على امتداد سنواته الذهبية في ليفربول، نسجت الصحافة الإنجليزية والألمانية هالة احترام حول محمد صلاح، حتى غدا اسمه مرادفًا للتألق والإنجاز، وصار يُشار إليه في العناوين بوصفه "الملك المصري" الذي اعتلى عرش أنفيلد بموهبته وانضباطه وعقليته الإحترافية. وفي مدينة مثل ليفربول — مدينة طالما تمردت على القصر، وتاريخها مع القصر الملكي محفوف بالتوتر والتهميش — بدا طبيعيًا أن تحظى شخصية مثل صلاح بشعبية تفوق شعبية الملك تشارلز نفسه. فالجماهير في ليفربول لا تنحاز للقاب السلطة، بل لمن يمنحهم الفخر، ومن يضيء لياليهم بأهدافه وابتسامته ولمساته الساحرة.

ظلّت الصحافة ترى في صلاح لاعبًا لا يكلّ، يحمل النادي على كتفيه في اللحظات الحاسمة، ويُعيد ليفربول إلى منصات التتويج بلمسة يسارية لا تخطئ طريقها إلى الشباك. ولطالما رأت فيه أوروبا رمزًا للاحتراف الحقيقي؛ لاعبًا ينتصر بهدوئه، ويقاتل بابتسامته، ويصنع حضوره أينما وُضع.

غير أنّ المشهد تبدّل قليلًا في الآونة الأخيرة، حين خرج صلاح بتصريحات تشي بضيق صدره من الجلوس على مقاعد البدلاء لثلاث مباريات، ورفضه القتال من جديد لاستعادة مركزه. بدت تلك الكلمات — في نظر الإعلام — بعيدة عن الصورة التي نحتها حوله لسنوات. فاللاعب الذي كان مثالاً للمينتالتي الحديدية، بدا وكأنه منصتٌ لجرس داخلي يقول له إنه أكبر من مقاعد الانتظار.

وهذا ليس جديدًا تمامًا؛ فقد سبق أن أبدى تذمّره ليورجن كلوب حين شارك بديلاً، حتى انتهت الأزمة في غرفة الملابس . ومع ذلك، فإن ما حدث يظل مختلفًا جذريًا عن صدام رونالدو مع تن هاج: فصلاح لم يتغيب عن التحضيرات، ولم يرفض المشاركة، ولم يهاجم النادي علنًا. بل بقي ملتزمًا بالتدريب والمباريات، محافظًا على احترامه للنادي.

ولم تتحدّث أي صحيفة عن أزمة عنصرية أو تقليل من قيمته؛ على العكس، أكّدت أن إرثه في ليفربول باقٍ. لكن التساؤلات تعالت: هل تغيّرت عقلية الرجل الذي علّم العالم كيف ينتزع المجد؟ أم أنّ الزمن أعاد صياغة ملامح الحكاية في مدينة لا تُخضع قلبها إلا لمن يثبت أنه يستحقه؟