(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
في عام 2005، في شهر أبريل/نيسان، رحل عن عالمنا البابا (القدّيس) يوحنّا بولس الثّاني (1920-2005)، وقبلها بحوالي شهرين (في فبراير/شباط)، رحل عن عالمنا أيضًا الأب (خادم الله) لويجي جوسّاني (1922-2005)؛ وهو كاهن كاثوليكيّ إيطاليّ، وعالم لاهوت ومعلّم قدير ومفكّر مبدع، ومؤسّس الحركة أو الأخويّة الكنسيّة الكاثوليكيّة "شراكة وتحرُّر" (Comunione e Liberazione)، المنتشرة في أكثر من 70 بلدًا.
وُلِد جوسّاني في الـ15 من أكتوبر/تشرين الأول للعام 1922، في "ديزيو"، وهي بلدة صغيرة في "بريانزا" الواقعة في شمال مدينة "ميلانو" الإيطاليّة. رُسِم كاهنًا في الـ26 من مايو/أيار للعام 1945. وفي عام 1954، حصل على الدّكتوراة في علم اللّاهوت. وفي الأعوام 1954-1967، ترك الأب جوسّاني دراسةَ وتدريس علم اللّاهوت وراح يدرّس الشّبيبة في المدراس الثّانويّة بمدينة ميلانو، حتّى يتمكّن من إبلاغ رسالة المسيح لهم بطريقة حيّة وحيويّة ومتناسبة مع ثقافة العصر الذي يعيشون فيه. ومن عام 1964 إلى عام 1990، درّس "مدخل إلى علم اللّاهوت" بالجامعة الكاثوليكيّة "القلب المقدّس"، في ميلانو. وفي عام 1969، أسسّ الحركة أو الأخويّة الكنسيّة الكاثوليكيّة "شراكة وتحرُّر".
وقد كتب الأب جوسّاني –باللّغة الإيطاليّة– مؤلَّفات عديدة وثمينة؛ فنذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
+ الحسُّ الدّينيّ (وقد تُرجِّم إلى اللّغة العربية)،
+ أصلُ الزّعم المسيحيّ،
+ لماذا الكنيسة؟،
+ خطرُ التّربية،
+ حضورٌ يُغيِّر،
+ الحدثُ المسيحيّ: الإنسان والكنيسة والعالم.
في هذا العام الجاري (2025)، تمرّ الذّكرى العشرون لنياحة الأب جوسّاني. وجديرٌ بالذّكر أنّه، في الـ7 من مارس/آذار لعام 2015، تقابل مثلّثُ الطُّوبى البابا فرنسيس مع أتْباع حركة "شراكة وتحرُّر" وقائدها آنَذَاك الأب الإسبانيّ "خوليان كارّون"، بمناسبة مرور 10 أعوام على نياحة الأب جوسّاني[1]. وفي تلك المقابلة، أفصح البابا عن جزيل تقديره للحركة ومؤسّسها. وقد أشار إلى بعض الأسس أو النّقاط التي تقوم عليها الأخويّة. فهي، قبل كلّ شيء، تسعى إلى التّربيّة على الحرّيّة الحقيقيّة، والتي تنبع بدورها من التّقابل ليس مع فكرة، وإنّما مع شخص حيّ، أي "يسوع المسيح". وتُعَدّ الرّحمة، التي هي منطق الله، خاصيّة مميِّزة لحدث التّقابل مع يسوع. ومن ثمّ، ليست الأخلاقُ المسيحيّة نظامًا إراديًّا وذاتيًّا، وإنّما إجابة مفعمة بالمشاعر على شخص يحبّنا ويمسك بأيدينا ويقودنا.
وفي تلك المقابلة عينها، شدّد البابا على أنّ مكان المركز ينبغي أن يحتلّه يسوع وحده، لا الكاريزما؛ فكما أنّ كلّ أمر في المسيحيّة يجب أن يكون "لا-مركزيّ"، فهكذا حركة "شراكة وتحرُّر" تنبغي أن تكون "لا-مركزيّة"، إذ إنّ يسوع هو "المحور-المركز". وأكّد أيضًا على أنّ الأمانة الحقيقيّة للكاريزما لا تعني الجمود وعبادة الرّماد والانغلاق على الذّات، وإنّما الحرّيّة والتّجديد وموقف كنيسة في خروج مستمرّ.
ومِن جهةٍ أخرى، إليكم بعضٌ مِن الأقوال والأفكار المشهورة للأب جوسّاني:
+ «إنَّ المسيح هو حياة حياتي».
+ «إنَّ كلمةَ الله، أي الذي فيه يوجد كلُّ شيء، صار جسدًا. لذا فقد أصبح الجمالُ جسدًا، وأصبح الخيرُ جسدًا، وأصبح العدلُ جسدًا، وصار الحقّ جسدًا، وأصبحت الحياةُ والحقيقةُ جسدًا: فليس الوجودُ-الكينونةُ قائمًا في عالم الأفكار الأفلاطونيّ، بل بالحرىّ صار جسدًا، فهو واحد منّا».
+ «كيف يمكننا تقبُّل أنفسنا والآخرين بفضل حديث ما؟... أجل، بدون أنْ يكون المسيحُ حضورًا الآن– أقول الآن!– فأنا لا أستطيع الآن أنْ أحبّ نفسي، ولا أستطيع الآن أنْ أحبّك».
+ «يُعبَّر عن الوجود في "التّسوُّل"، باعتباره المثل الأعلى المطلق. إنَّ البطلَ الحقيقيّ للتاريخ هو المتسوِّل: فالمسيح شحَّاذ لقلب الإنسان وقلب الإنسان شحَّاذ للمسيح»[2].
[1] أُقدّم هنا مُلخَّصًا شخصيًّا للأصل الإيطاليّ:
[2] فيما يتعلّق بهذا المنشور، راجع:





